شريط الإعلانات ||

مدونة الدكتور العيد جلولي ترحب بتعليقاتكم وأسئلتكم وترقبوا دائما الجديد فيها- سينظم قسم اللغة والأدب العربي مجموعة من الملتقيات والأيام الدراسية في الموسم الجامعي القادم 2010-2011 . منها : ملتقى دولي حول واقع البحث في المصطلح النقدي في الوطن العربي يومي 11 و 12 أكتوبر 2010 - وملتقى وطني حول الاتجاهات الحديثة في دراسة اللغة والأدب يومي 22 و 23 نوفمبر 2010 - والملتقى الدولي الخامس في تحليل الخطاب أيام 22 و 23 و 24 فيفري 2011-
المصدر : http://100fm6.com/vb/showthread.php?t=15156 - 100fm6.com

قسم اللغة والأدب العربي

قسم اللغة والأدب العربي
المدونة من تصميم وتنفيذ العيد جلولي

شعارنا

شعارنا

03 يونيو, 2010

الغش في الإمتحانات


ظاهرة الغش- بوصفها شكلاً من أشكال الخيانة- تتعارض مع قيمة الأمانة، والتي هي من الفضائل الإنسانية التي تسعى الفلسفة التربوية إلى تحقيقها لدى الطلبة. ورغم خطورة هذه الظاهرة، إلا أنها لم تحظ بمعالجة كافية في الأدب التربوي في منطقتنا العربية. ولا شك أن التهاون في مكافحة الغش من شأنه انهيار التعليم والذي يؤذن- على المدى الطويل- بانهيار حضاري سريع.
غش في الامتحانات
يمارس الطلاب الغش في الاختبارات بطرائق مختلفة، وتطورت تقنيات الغش تطوراً مذهلاً. فمثلاً تقوم بعض دور النشر (مراكز الخدمات الطلابية) بطبع المقررات الدراسية باستخدام بنط صغير جداً وفي حدود صفحة أو صفحتين، يمكن للطالب حملها بسهولة قبل الدخول إلى لجنة الاختبار.
وقد تم ضبط حالات غش يستخدم فيها الطلاب أجهزة لاسلكية، وحالات أخرى لطالبات كنَّ يخفين أجهزة تسجيل بها أشرطة مسجلاً عليها المقرر الدراسي، ولها سماعات يضعنها في آذانهن، دون أن يسمعهن أحد. وفي بعض دول الخليج، يستخدم بعض الطلاب الهاتف الجوال في ممارسة الغش عبر شفرات معينة.
وفي إحدى الدول العربية ظهرت حالات للغش الجماعي في لجان الاختبارات ببعض المدارس المقامة في الأرياف، حيث اقتحم بعض أولياء أمور الطلاب وأقاربهم لجان الاختبار وألقوا بالإجابات مكتوبة إلى الطلاب، أو أنهم استخدموا مكبرات صوت من على الأسوار والشرفات المجاورة للمدارس لتوصيل الإجابات إلى مسامع الطلاب. وهكذا يتفنن الطلاب وذووهم في أساليب الغش، بل إن المعوقين أيضاً صاروا مهرة في ذلك، حيث ضبطت حالات في مصر لطلاب أكفاء البصر يمارسون الغش بطريقة برايل.
غش في الواجبات المنزلية والبحوث
وإذا تجاوزنا الاختبارات، فإن الغش يمارس أيضاً فيما يخص إنجاز الواجبات المدرسية التي يكلف بها الطلاب التي تندرج تحت مادة «المجهود الدراسي» أو «الواجب المنزلي»، حيث يلجأ بعض الطلاب إلى تكليف الخادمات اللاتي يعملن في منازلهم بالقيام بهذه المهمة.
ومن صور الغش المدرسي، لجوء الطلاب إلى مراكز خدمات الطلاب التجارية لتكليفها بإعداد ما يُطلب منهم في المدارس من بحوث لقاء مبلغ من المال. ويقدم الطالب البحث بعد ذلك باسمه.
غش غير مباشر
وهناك أيضاً ما يمكن أن نطلق عليه «الغش غير المباشر» ، ويتمثل بقيام المعلم بتوجيه الطلاب إلى التركيز على أجزاء محددة من المقرر الدراسي على أساس أن أسئلة الاختبار ستدور حولها، أو قيامه بتقديم عدد من الأسئلة في المادة التي يقوم بتدريسها للطلاب، وإخبارهم أن الاختبار سيكون من بينها.
العوامل المسببة للغش

في دراسة ميدانية حول ظاهرة الغش في الاختبارات المدرسية بالأردن توصل الباحث فائق عامر حمدان إلى عدد من الأسباب التي تدفع الطلبة إلى الغش في الاختبارات من أهمها: عدم الاستعداد الكافي للاختبار، صعوبة أسئلته، الحرص على الحصول على درجات أعلى، عدم استيعاب المادة الدراسية، كره المادة الدراسية، تهاون المراقب.
وحاولت بعض الدراسات معرفة أسباب الغش كما يدركها الطلاب أنفسهم، فمثلاً خلصت إحدى الدراسات إلى أن «ضغط العلامة» أي الرغبة القوية في الحصول على درجات تكفي لقبول الطالب في كلية أو معهد، أو للحفاظ على معدل تراكمي جيد يتماشى مع متوسط درجات الطالب ــ تدفع أعداداً غير قليلة من الطلبة لممارسة الغش في الاختبارات.
ويمكن أن نضيف إلى الأسباب الواردة في الدراستين أسباباً أخرى، بعضها يتعلق بالنظام التعليمي نفسه، بينما يتعلق البعض الآخر بالمجتمع الذي ينتمي إليه الطالب. وتتلخص هذه العوامل بالآتي:
1- التركيز المبالغ فيه على الاختبارات التحريرية كمقياس للتحصيل الدراسي للطالب، مع إهمال أساليب أخرى مهمة للتقويم مثل النشاطات المدرسية والاختبارات الشفهية والواجب المنزلي.. إلخ.
2- ضعف مستوى التحصيل الدراسي للطالب لأسباب عدة منها سوء أداء المدرس بسبب تدني راتبه، أو ارتفاع كثافة الطلاب في الحجرات الدراسية، أو مزاولة بعض الطلاب للعمل بعد انتهاء اليوم الدراسي.
3- مبالغة بعض المؤسسات التعليمية في تقدير مستوى الطالب، مثل رفع الحد الأدنى لعلامة النجاح.
4- عدم وجود فاصل زمني كاف بين الاختبارات، بل إن الطالب قد يؤدي أكثر من اختبار في اليوم الواحد. وهذا من شأنه عدم إعطاء الطالب فرصة مراجعة المواد والتهيؤ للاختبارات، لما يعانيه من إرهاق بدني وذهني وتوتر نفسي.
5- غياب القوة من جانب المعلم.. فبعض المعلمين لا يتحلون بأخلاقيات مهنة التدريس كأن يقوم المعلم بتمييز الطلاب الذين يتلقون على يديه دروساً خصوصية دون سواهم، أو أن يتعمد حجب بعض المعلومات عن الطلبة كوسيلة تضطرهم إلى أخذ دروس خصوصية عنده.
6- ضعف الضبط الاجتماعي، فالمعروف أن الضبط الاجتماعي أحد وظائف العملية التربوية، ويطلق عليه ابن خلدون «الرقابة الاجتماعية» وهي جميع التدابير التي يتخذها المجتمع لحمل الأفراد على ممارسة السلوك السوي دون انحراف أو اعتداء. ونظراً لتدهور الضبط الاجتماعي في الأقطار النامية التي يقل فيها احترام القوانين والأنظمة والأعراف، وتكثر فيها المحسوبية، والوساطة والشفاعة وتغيب فيها القدوة الحسنة من المسؤولين، فإن الطلاب يستبيحون الغش بلا حرج.
7- الفساد السياسي والإداري في كثير من البلدان النامية، والذي من مظاهره استغلال النفوذ، وأخذ الرشوة، واختلاس المال العام، وتزوير النتائج بأشكالها المختلفة. والعجب أن يتم التزوير في اللجان الانتخابية التي تكون مقارها في المباني المدرسية، ويكون رؤساء هذه اللجان وأعضاؤها من المدرسين، وبالتالي فلن يكون غريباً أن يستبيح الطلاب الغش.
دور وسائل الإعلام في المشكلة
تُعد وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة مسموعة ومرئية ومكتبات، إحدى مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تسهم في تشكيل سلوك الطالب وصياغة منظومة قيمه. والمفترض فيها أن ترسخ لدى الطلاب الفضائل والقيم الحميدة كالصدق والأمانة وإتقان العمل.
الإعلام يساعد على الغش!
ولا شك أن كثيراً من أجهزة الإعلام تقوم بهذه المهمة فيما تنشره أو تبثه من مواد جيدة. ولكن بعض هذه الأجهزة قد تساهم في تكريس ظاهرة الغش وذلك بإحدى وسيلتين: الأولى: الاهتمام المبالغ فيه بشؤون الاختبارات وتغطية أخبارها حتى أصبح اجتياز الاختبار هو الهدف من التعليم، وهو ما قد يجعل الطلاب وأولياء أمورهم في حالة توتر طوال مرحلة الاختبارات، وبالتالي تقل جاهزية الطلاب للاختبارات، ويضطرون إلى الغش لأن الغاية تبرر الوسيلة في نظرهم. الثانية: تقديم بعض الأعمال الفنية (مسلسلات، مسرحيات، منوعات فكاهية) التي تتضمن ممارسات سلوكية سيئة تحث على الغش وتشجع الطالب على التمرد على معلمه، والإخلال بالنظام في مدرسته.
مساوئ الغش المدرسي والغش في الاختبارات
وغني عن البيان، أن ممارسة الطلاب للغش في الاختبارات تُعد مظهراً من مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية، وسبباً لتكاسل الطلاب وعزوفهم عن استذكار المقررات الدراسية، كما أن الغش يؤدي إلى قتل روح المنافسة بين الطلاب، ويقلل من أهمية الاختبارات في تقويم التحصيل المدرسي للطلاب، ويؤدي إلى إعطاء عائد غير حقيقي وصورة مزيفة لناتج العملية التعليمية تنتهي إلى تخريج أفراد ناقصي الكفاءة وأقل انضباطاً في أعمالهم. وتزداد خطورة الغش عندما تتورط فيه المدرسة، وهو ما يهدد قيم المجتمع، فمؤسسة القيم أصبحت تدمر القيم بممارستها غير المسؤولة.
إن مضارَّ الغش تمتد إلى ما بعد الدراسة، فالموظف أو المهني الذي اعتاد الغش أثناء تعليمه، قد يستحلُّ المال العام، ويمارس الكسب غير المشروع والتزوير في الأوراق الرسمية، وقد يستحل الرشوة.
وعليه فإن مكافحة الغش تكفل رفع مستوى الكفاءة وتحسين أداء الأفراد بعد تخرجهم في مجالات الحياة العملية.
العلاج
لا شك أن الغش يمثل آفة من آفات التعليم في واقعنا المعاصر، ويتطلب علاج هذه الظاهرة إجراء دراسات متعمقة للوقوف على أسبابها ودوافعها والعوامل المؤثرة فيها، والعمل على تفادي حدوثها. وهنا يؤخذ على وزارات التعليم في الأقطار العربية أنها تكافح ظاهرة الغش بمنطق القانون الجنائي، وليس القانون الوقائي، فهي تعاقب المخطئ دون أن تعالج أسباب الجريمة، وبالتالي يستمر الطلاب في التحايل على الأنظمة والقوانين. وعليه فإن مكافحة الغش يجب أن تبدأ بإصلاح النظام التعليمي بأكمله وتنتهي بالتشريعات الصارمة. وهي عملية تشترك فيها جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية: الأسرة -المدرسة- وسائل الإعلام- المسجد.. إلخ.
وفيما يلي مقترحات وقائية وعلاجية لمعالجة هذه الظاهرة السيئة:
1- توضيح مخاطر الغش وتعارضه مع مبادئ الإسلام ومع القيم والغايات التربوية، من خلال الإذاعة المدرسية، ومن خلال المنابر في المساجد، وأن يتم ذلك في إطار تربية إسلامية قويمة ترسخ لدى الطلاب قيم الإسلام وأخلاقياته السامية.
2- مراعاة الإيجاز والتركيز في الواجبات المنزلية التي يكلف بها الطلاب وأن تتناسب مع المدى الزمني المطلوب إنجازها فيه. إذ إن إثقال كاهل الطلاب بواجبات مطولة، قد يضطره إلى الاستعانة بغيره لإنجازها، أو تلخيصها بشكل مخل. كما يتعين التنسيق بين المدرسين في هذا الشأن لعدم تحميل الطالب من الواجبات مالا يطيق.
3- الاحتفاظ بفاصل زمني بين مواد الاختبار ولو لمدة يوم، فهذا أدعى لتمكين الطالب من التركيز والاستعداد للاختبار.
4- رفع مستوى جاهزية الطلبة للاختبارات، وذلك عبر أساليب شتى منها: مجموعات التقوية بالمدارس، المقهى الأكاديمي، حلقات الدرس بالمساجد والجمعيات الخيرية، كما يمكن استخدام الهاتف بالمدارس للرد على استفسارات الطلاب ومساعدتهم في فهم ما يغمض عليهم من المقرر، وذلك بتخصيص بعض المدرسين خارج أوقات الدوام لهذه المهمة. ومما يفيد في هذا الشأن أيضاً، البرامج التعليمية المتلفزة، كما هو موجود في بعض الدول العربية، وتتضمن شرحاً مختصراً ومسلسلاً للمقررات الدراسية لطلبة الشهادة الثانوية العامة. كما يمكن الترخيص لبعض الجهات بتسجيل شروح المقررات الدراسية على أشرطة تسجيل أو أشرطة فيديو، والسماح ببيعها إلى الطلاب. وهذا التنويع في أسلوب توصيل المقررات التعليمية للطالب أدعى إلى تحقيق الاستيعاب من الاقتصار على القراءة، لأن الطالب أحياناً يسأم من مطالعة الكتب.
5- أن يتم إعداد الاختبارات مركزياً، أي من وزارات التعليم، ولا مانع من أن يكون تصحيح أوراق الإجابة لا مركزي.
6- اعتماد الأسئلة المقالية في الاختبارات والبعد عن الأسئلة الموضوعية، وذلك لأن الأسئلة المقالية تتيح للطالب عرض ما استوعبه من المادة، أما الثانية فإنها قد تحصره في جزئية بسيطة. وبشكل يضيق على الطالب فرصة التعبير عما حصَّله من المادة. ومن أمثلة الأسئلة الموضوعية: أجب بنعم أو لا، اختر الإجابة الصحيحة.. إلخ. كما أن الأسئلة الموضوعية تسهل على الطلاب ممارسة الغش في الاختبارات.
7- إصدار تشريع يحظر على مكاتب خدمات الطلبة إعداد بحــوث للطلبـة، باعتبار هذا نوعاً من التدليس، وتوقيع عقوبات على من يخالف ذلـك.
8- تفعيل دور المرشد الطلابي والاختصاصي الاجتماعي في تهيئة الطلاب نفسياً للاختبارات وعلى أسلوب التعامل الصحيح مع ورقة الأسئلة، وحبذا لو تم إجراء اختبارات -على سبيل التجربة- للطلاب لإزالة الحاجز النفسي لديهم من اختبارات نهاية العام الدراسي.
9- تشديد العقوبة على من يمارس الغش من الطلاب أو من يسمح بالغش من المراقبين، وهنا لا يكفي إلغاء اختبار الطالب، بل لا بد من عقاب رادع.
اقرأ المزيد »

19 مايو, 2010

اللهجات في الموشحات والأزجال الأندلسية

د. محمد عباسة جامعة مستغانم
مجلة حوليات التراث / جامعة مستغانم / العدد التاسع - 2009

لقد نشأ الشعر العربي في القرن الرابع للميلاد ولم يصل إلينا إلا ما يعود إلى القرن السادس الميلادي. ولانعدام النصوص يصعب علينا تتبع المراحل التي مر بها الشعر العربي قبل عصر امرئ القيس والمهلهل. غير أننا نستطيع أن نحدد الفترة التي يمكن أن تكون بداية لهذا الشعر باللغة التي نظم بها، وذلك عن طريق دراسة مراحل تطور اللغة العربية. ولذلك، فإننا نعتقد أن الشعر ظهر أولا في اللهجات العربية بفترة طويلة قبل أن ينتقل إلى اللغة الفصحى.
إن القبائل العربية الشمالية لما اصطلحت فيما بينها على لغة أدبية فصحى، لجأ إليها الشعراء الجنوبيون ينظمون بها قصائدهم لاعتقادهم أنها اللغة الرسمية في ذلك الوقت، حتى اختفت جملة خصائص لهجاتهم المألوفة ولم تتضح في شعرهم إلا قليلا. ولقد ساعدت ظروف دينية وعوامل سياسية واقتصادية على أن تسود لهجة قريش خلال القرن السادس الميلادي وأن تصبح لغة الشعر مهما اختلفت لهجات الشعراء.
بدأت تتضح معالم اللغة الفصحى منذ القرن الرابع الميلادي، أي بعد ظهور آخر النقوش للغات العربية الأخرى. وخلال القرن الخامس الميلادي بدأت تتحدد هذه المعالم وتقترب من اللهجة الفصحى حتى أصبحت تعم ربوعا كثيرة من الجزيرة العربية. وعند انتشار الشعر الجاهلي في بداية القرن السادس الميلادي أصبحت كل القبائل العربية تفهم اللغة الفصحى.
لقد ظهر الشعر داخل القبيلة على شكل مقطوعات قصيرة، واستمر ذلك إلى غاية نهاية القرن الخامس الميلادي، حيث انتقل الشعر في بداية القرن السادس الميلادي من اللهجات المحلية في جنوب الجزيرة إلى اللغة الفصحى العامة ومن المقطوعة إلى القصيدة. إلا أن الشعر العربي لم يعرف القافية في بداية الأمر، بل جاء مسجوعا قبل أن ينتقل إلى النظم، وهذا النوع من الشعر يسمى مرسلا. وقد ظل كذلك منذ نشأته في القرن الرابع الميلادي إلى غاية القرن السادس الميلادي حيث ظهرت القافية على يد الشعراء الذين وصلت إلينا بعض أشعارهم.
إن الشعر العربي أول نظم عرف القافية وكان أول مما وصل إلينا، القصائد الموحدة القافية. ومن المؤكد أن القافية ظهرت قبل شعراء القصيد، لأن بعض المقطوعات وصلت إلينا مقفاة. وهذا يعني أن المقطوعات التي سبقت القصائد يمكن أن تكون قد عرفت القافية ولو بفترة قصيرة قبل أن تظهر القصيدة في القرن السادس الميلادي.
1 - الموشحات:
ظل الشعر العربي في المشرق والمغرب على القافية الرتيبة حتى عصر الخلافة بالأندلس في القرن التاسع الميلادي حيث ظهر شعراء مجددون عملوا على تطوير الاتجاه الشعبي بحيث ظهرت بعض الألفاظ العامية موظفة شعريا في هذا العصر. وبعد انتشار الغناء الذي تطور بشكل كبير بعد الاختراعات الموسيقية التي ظهرت على يد زرياب، وكان من الطبيعي أن يتطور معه الشعر، نتج عن ذلك لون جديد يدعى فن التوشيح.
يبنى الموشح على المقطوعات الشعرية التي تنظم بصورة محكمة، وقد ظهر في الشعر العربي لأول مرة في بلاد الأندلس(1). تبدأ الموشحة بالمطلع وتختم بالخرجة، وهي القفل الأخير الذي لا يلتزم قواعد اللغة العربية. ومن خلال الخرجة التي كانت تنظم بالأعجمية أحيانا، استطاع الأوربيون في القرون الوسطى، أن يقتبسوا أكثر الأغراض التي وردت في الشعر العربي.
لكن ليس معنى ذلك أن الموشح لون قائم بذاته لا علاقة له بالشعر العربي، بل هو ضرب من ضروب الشعر العربي لا يختلف عن القصيدة التقليدية إلا في تعدد قوافيه وتنوع أوزانه أحيانا، وفي الخرجة التي يخرج بها الوشاح من الفصيح إلى العامي تارة، وتارة أخرى إلى العجمي، كما يختلف عنها أيضا في تسمية أجزائه. فالموشح الأندلسي يعد بذلك، ثورة على القصيدة التقليدية التي تلتزم وحدة الأوزان ورتابة القافية، وليس تمرداً على الشعر العربي في جملته وتفصيله.
فإذا كانت الموشحات قد ظهرت في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) حسب ما استقيناه من المصادر التي أرخت للأدب الأندلسي(2)، فإنه لم يصل إلينا منها إلا ما يعود إلى القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، أي ما أنتجه الشعراء على مدى قرن من الزمن قد ضاع. لقد كسدت الموشحات الأولى بسبب النقلة الذين سكتوا عن هذا الفن، لاعتقادهم أنها خارجة عن الأعاريض المألوفة. ولعل أقدم موشحات أندلسية وصلت إلينا هي لعبّادة بن ماء السماء (ت 422 هـ - 1030 م)(3). ولم تدون الموشحات الأندلسية إلا في القرن الحادي عشر الميلادي بعد وفاة عبادة بن ماء السماء الذي أورد له صاحب "الوفيات" موشحتين(4).
اتخذ فريق من الباحثين الأسبان موضوع اللهجات في الأندلس حُجّة لتغريب أصل الموشح، خاصة بعد اكتشاف بعض الخرجات العجمية في الموشحات. لقد ذهب هؤلاء الباحثون إلى أن الخرجات العجمية التي ذيلت بها بعض الموشحات الأندلسية ما هي إلا بقايا أغان إسبانية، والموشحات الأندلسية إنما نشأت تقليدا لهذه الأغاني(5). لكن هذا الزعم لم يتأكد بأدلة قاطعة.
لأنه لم يثبت فيما إذا كانت الموشحات الأولى تحتوي على الخرجة أم لا. لأن الخرجة حسبما جاء في المصادر، تمثل مرحلة من مراحل تطور الموشح.
غير أن الخرجات لم تكتب كلها بالعجمية، وإنما أكثر الخرجات التي نظمها الوشاحون بهذه اللهجة تخللتها بعض الألفاظ العربية أو العامية. ثم إن وزنها العروضي ليس فيه شيء من العجمة، بل يبعد كثيرا عن أوزان الشعر الأوربي القديم التي خلطت بين النظامين المقطعي والمنبور، وعن الأغاني الشعبية الأسبانية التي يزعم أنها ظهرت قبل الموشحات.
إن وجود هذه الخرجات يُعد خروجا على اللغة التي نظمت بها الموشحة. فلما نظم الوشاح الأندلسي قطعته باللغة الفصحى، استحسن الخروج في آخر قفل عن اللغة الأصلية، فكتب الخرجة بالعامية أو العجمية أحيانا. وقد نظم بعض الشعراء اليهود موشحات عبرية ذات خرجات بالعربية وأخرى باللهجة الرومانسية، وذلك في القرن الحادي عشر الميلادي.
ولما نظم الوشاحون الخرجات بلهجات مخالفة للغة أقسام الموشح، كانوا يقصدون من وراء ذلك تتميز الخرجة عن بقية الأقفال في الموشحة. ولم يقتبس الوشاحون أبياتا ولا أوزانا عجمية، كما أن مؤرخي الأدب الأندلسي القدامى لم يشيروا البتة إلى أن الوشاحين كانوا يأخذون الخرجات من أغنية عجمية. فقد جاء في "الذخيرة" أن الوشاح كان يأخذ اللفظ العامي والعجمي(6). وهذا يؤكد أن ما كان يعرفه الوشاحون هي الألفاظ العجمية وليست الأغاني. فالموشح إذن، هو أندلسي المنشأ وعربي الأصل، ولا يمتّ بأي صلة إلى مصادر أجنبية.
الخرجة هي عبارة عن القفل الأخير الذي تختم به الموشحة، وهي ركن أساسي لا يمكن الاستغناء عنه في الموشحات بعكس المطلع الذي قد تبتدئ به الموشحة وقد تخلو منه. وقد تتميز الخرجة عن الأقفال من حيث اللغة، لأنها القفل الوحيد من الموشحة الذي يجوز فيه اللحن.
ويجوز أن تكون الخرجة في الموشحة عجمية اللغة، ولا يشترط أن تكون ألفاظ الخرجة كلها عجمية، بل تكون أيضا مزيجا من ألفاظ عربية وعجمية أو عامية وعجمية، وهو الأغلب في الموشحات. كما أنه ينبغي على العجمية أو العامية أن تستخدم في الخرجة فقط، فإذا تسربت هذه الألفاظ إلى الأجزاء الأخرى من الموشح، سمي موشحا مزنما لا ينظمه إلا الضعفاء(7).
رغم الازدواج اللغوي والعناصر البشرية المختلفة، فإن الشعر الأندلسي لم ينحرف عن نظيره المشرقي من حيث اللغة باستثناء الموشحات. ولغة الموشحات ليست لغة متميزة، وإنما هي اللغة العربية التي نظم بها الشعر. أما الخرجة التي كتبت بالعجمية تارة وبالعامية تارة أخرى فهي تظرف استحسنه الوشاح لِما في ذلك من متعة يتذوقها الناس. ولم تكتب كل الخرجات بالعجمية سوى بعض منها، واقتصرت العجمية في الموشح على الخرجة فقط، أو على جزء منها، ولم تصل إلينا موشحة واحدة تخللتها ألفاظ عجمية. فلغة الموشح إذن هي العربية.
ومن الخرجات التي نظمها الوشاحون الأندلسيون باللغة العجمية، قول يحي السرقسطي الجزار في خاتمة موشحة له(8):
بئس ما رام الرقيب وما سعى
كلما يبدو الحبيب بدا مع
قلما أشدو نجيب من ودّع
كذا أمي فلمولي البين إب
كذل ميت طاري سرّ الرقيب
وقال أيضا ابن بقي الطليطلي في الخرجة من موشحة له(9):
إذا الليل جن *** أكاد لحزني به أجن
وأثني الشجن *** والكربة عني ببنت دن
واسأل من *** عندي أن يغني على اللسن
ميجالس كري *** مي مرت لطري
عارف كل شيء *** أنون شيو نادا بالله كفري؟
ومعنى الخرجة:
الحسود مثل الملك *** إنه يريد موتي
كل الناس تعرف *** وأنا لا أعلم بالله ماذا أفعل؟
أما أكثر الخرجات التي ابتعدت عن الفصحى، فقد نظمها أصحابها بالعامية. والعامية لا يجوز أن تتسرب إلى الأجزاء الأخرى في الموشحة، وإلا أصبح الموشح مزنما، كما سبقت الإشارة إليه. وهذا يدل على أن الموشحة نظمت في بداية الأمر كلها بالفصحى، ولما لجأ بعض الشعراء إلى تقليد فحول التوشيح وقعوا في التزنيم. وهذا الانحراف عدّه بعض المستشرقين اللبنة الأولى في تكوين الموشح بغية إرجاع مصدره إلى عناصر غير عربية.
ومن أمثلة الخرجة العامية قول أبي القاسم المنيشي في الخرجة رغم خوف الرقيب(10):
حزت يا أبي حسن حسن
لم تكن لتحجبه عن
ولذاك يشدوك من غنى
الحبيب حجب عني في دار *** ونريد نسأل عنو جار
ونخاف رقيب الحب *** واش نعمل يا رب؟
كما نظم الوشاحون الأندلسيون الخرجات بلهجات مختلفة، كالبربرية مثلا، ومن ذلك قول الأعمى التطيلي في الخرجة من موشحة له:
كشفت القناعا *** مستوهبا منه قبله
فاستحيا امتناعا *** أظنها منه خجله
فقلت انخضاعا *** ما قال قيس لعبله:
أما أنا حبيبي *** نطيش من غرشوني
شيم غين رشاها *** ألا نغرش منوني
في هذه الخرجة خاطب قيس محبوبته بلفظ حبيبي، لكن الوشاح جعل على لسانه لغة غريبة حتى لا يفهم الآخرون ماذا يدور بينهما. وقد يحدث ذلك، كما هو الحال في هذه الموشحة، عندما يتعلق الأمر بتعبير قد يثير حساسية الغير.
2 - الأزجال:
وفي أواخر عصر الخلافة، اخترع الأندلسيون فنا آخر، يدعى الزجل. لقد نظموا الزجل بلغة مجردة من الإعراب ومزدحمة بالكلمات التي هي من أصل محلي أو بربري. وكل ذلك ظهر بسبب التعدد الثقافي الذي عرفته الأندلس، واختلاط الشعوب الأندلسية ببعضها. الأمر الذي أدى إلى هذا التنويع الثقافي ضمن هذه اللغة والأدب الواحد.
والزجل في الاصطلاح، ضرب من ضروب النظم يختلف عن القصيدة من حيث الإعراب والتقفية كما يختلف عن الموشح من حيث الإعراب، ولا يختلف عنه من جانب التقفية إلا نادرا. يعد الزجل بهذه الصورة موشحا ملحونا إلا أنه ليس من الشعر الملحون. وقد كتِب بلغة ليست عامية بحتة بل هي مهذبة وإن كانت غير معربة.
يمثل الزجل الفن الثاني المستحدث في الأندلس بعد الموشح، وقد تباينت آراء المؤرخين القدامى في نشأة هذا الفن، ولو أنهم يتفقون على أن الزجل وليد البيئة الأندلسية، ومنها خرج إلى الديار المغربية والمشرقية وانتشر فيها. وقد ظهر الزجل بعد الموشح إلا أن بعض الباحثين من عرب ومستشرقين يرون عكس ذلك(.
إن الذين يرون أن الزجل سابق للموشح، انطلقوا من نص ابن بسام حول الموشحات الأندلسية القائل بأن محمد بن محمود القبري "كان يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز، ويضع عليه الموشحة"(13)، معتقدين في ذلك بأن هذه الألفاظ وجدت في قصائد عامية، وأن الموشح يُعد تطورا لهذه القصائد. ولم يكن لهم دليل قاطع فيما يذهبون، لأن القبري لم يأخذ بيتا من الأبيات وإنما كان يأخذ اللفظ من اللغة لا من القصائد، حسبما ورد في "الذخيرة". ولعل مما ساعد على نشأة الزجل في الأندلس ما كان من شيوع الموشحات بين العامة والخاصة.
وقد اتفق مؤرخو الأدب الأندلسي على أن الموشح أسبق من الزجل، ومنهم ابن خلدون الذي قال: "ولما شاع التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلاسته، وتنميق كلامه، وتصريع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية، من غير أن يلتزموا فيه إعرابا، واستحدثوا فنا سمّوه الزجل والتزموا النظم فيه على مناحيهم لهذا العهد، فجاءوا فيه بالغرائب، واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة"(14). ويتضح من كلام العلامة ابن خلدون أن الزجل الأندلسي نشأ تقليدا للموشح.
غير أنه لا يمكن الاعتقاد أن شعراء من العامة لما عجزوا عن نظم الموشح، نظموا فنا آخر بعامية أهل الأندلس وسمّوه الزجل، لأن الذين أنشأوا الزجل لأول مرة، هم المثقفون الذين كانوا ينظمون القصائد الفصيحة، والذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى وليس العامة. وكان لاختراع هذا النظم تلبية لحاجة العامة في القول الرفيع والغناء المنسجم.
إن عامية أهل الأندلس كانت بعيدة بعدا شديدا عن اللغة الفصحى، لاتصالها بلهجات متعددة غير عربية من جهة، واختلاف أصول الأندلسيين من جهة أخرى. لأنه لو كانت لغة الزجل الأندلسي هي لغة العامة نفسها، لمَا انتشرت أزجال الأندلسيين في العراق وبلاد الشام واستعذبها المشارقة ونسجوا على منوالها.
وقد ذهب صفي الدين الحلي إلى أن: "أول ما نظموا الأزجال جعلوها قصائد مقصدة وأبياتا مجردة في أبحر عروض العرب بقافية واحدة كالقريض لا يغايره بغير اللحن العامي، وسمّوها القصائد الزجلية"(15). وقد عدّ صفي الدين الحلي للشيخ ابن عبد الله مدغليس زجال الموحدين في الأندلس، ثلاثة عشرة قصيدة من هذا القبيل.
إن ما يلاحظ من خلال هذا الكلام هو أن صفي الدين الحلي لم يكن يعلم أن هذا النوع من الشعر الذي لا يختلف عن القصيدة إلا من حيث اللحن، يسمى عند المغاربة الشعر الملحون وهو من نسج العوام. لذا لا يمكن أن نسمّي كل ما حاد عن الإعراب زجلا. أما القصائد الزجلية التي ذكرها صفي الدين الحلي فقد ظهرت في مرحلة من مراحل تطوّر الزجل، لأنه لا يمكن أن نعد مدغليس الذي جاء بعد أبي بكر بن قزمان من منشئي الزجل.
أما الزجالون الأندلسيون الأوائل فقد ظهروا في أواخر القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، غير أن أزجالهم كسدت ولم تحظ باعتراف المؤرخين القدامى، شأنها في ذلك شأن الموشحات في بداياتها، فنسيت أسماؤهم بعدما ظن المؤرخون أن هذا النوع من الفن هو من الموشحات الملحونة، لأنهم كانوا يعرضون عن تدوينه.
لم يصل إلينا من زجل المتقدمين إلا ما يعود إلى القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وهو زمن ملوك الطوائف، فكان الزجل في هذا العصر قد اتضحت معالمه الفنية، أما الأزجال الأولى فقد كسدت ووقع لها ما وقع للموشحات في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. وفي القرن الثاني عشر الميلادي ازدهر فن الزجل بسبب تذوق المرابطين لهذا النوع من الشعر وليس لنفورهم من اللغة الفصحى كما ذهب بعض الباحثين العرب(16).
مر الزجل الأندلسي بأطوار لغوية مختلفة، فكان الطور الأول اللغة الفصحى غير المعربة، وكان الزجل في ذلك الوقت، من اختصاص الطبقات المثقفة التي نسجته على منوال الموشحات. ثم بدأت تتسرب إليه عناصر اللهجة الأندلسية حسبما تقتضيه ضرورة الوزن والغناء عند أهل الأندلس، ومع ذلك لم يستطع الزجالون الأولون التخلص من الإعراب إلى أن جاء إمام الزجالين أبو بكر بن قزمان (ت 554 هـ – 1160 م)، الذي مهّد الطريق في ديوانه إلى العناصر اللغوية العامية التي غزت اللغة الرفيعة في الزجل وقد أشار إلى ذلك في ديوانه(17).
أما الحموي فيرى أن ابن قزمان "قال ذلك نهيا عن تقصد الإعراب وتتبعه والاستكثار منه لئلا يغلب على معظم أزجالهم"(18). فابن قزمان لم ينهِ عن الإعراب مطلقا، بل سوء فهم كلامه هو الذي جعل صفي الدين الحلي يعتقد أن الإعراب لا يجوز في الزجل لخلطه بين الشعر غير المعرب والشعر الملحون العامي.
وعلى هذا النحو، لا تعتبر القصائد العامية أزجالاً حتى وإن كانت مقطعية الشكل، لأنه ليس كل ما هو غير معرب زجلا، فهناك لغة مجردة من الإعراب لها قواعد مطردة، وهي قريبة جدا من الفصحى، وهناك لغة عامية ليس فيها شيء من الاطراد إلا التغير، يختلـف نطقها من جهة إلى أخرى، والزجل نهجَ اللغة الأولى حتى لا يتغير لفظه ونطقه عبر الزمن.
ولغة الزجل تتألف من هذه اللغة غير المعربة بالإضافة إلى عناصر لغوية أندلسية اختلطت فيها لهجات شمال إفريقيا مع لسان الوافدين من المشارقة والعناصر المحلية الموَلدة والمبتكرة التي يبيحها الزجال في نظمه. أما الذين نظموا الزجل فهم من الشعراء المثقفين الذين لجأوا إلى هذه العناصر وهذبوها، لأنه لا يمكن لأي أحد كان أن يقول زجلا، فهذا الفن يخضع للوزن والقافية.
ولم تسلم الأزجال من التزنيم، فقد جاء التزنيم في الزجل كما جاء أيضا في الموشح، وهو اللحن في الموشح والإعراب في الزجل. وقد أنكر ابن قزمان التزنيم على متقدميه(19). والتزنيم حسب اعتقادنا، ثلاثة أنواع، فهناك من يزنم رغبة في التزنيم ومذهبا فيه، وهناك التزنيم الناتج عن ضعف الناظم، فتكون أزجاله عرضة للانتقاد. وأخيرا، التزنيم الذي تقتضيه ضرورة قواعد النظم في الموشح والزجل كما سبقت الإشارة إليه.
ويجب أن نشير أيضا إلى أن الزجالة لم يولوا اهتماما لعجمية أهل الأندلس. فلا نجد من اللهجة الرومانسية إلا بعض الألفاظ، متناثرة في أثناء أزجال الإمام ابن قزمان، وما جاء على لسان العجم والعجميات في أزجال الحوار. ولم نجد خرجة عجمية في الزجل كما هو الشأن في بعض الموشحات، ذلك لأن لغة الزجل غير معربة، فيلجأ الزجال إلى الفصيح بدلاً من الألفاظ العجمية، أو إلى التحايل، كأن يمهد للخرجة بألفاظ تدل على أن الزجل قد أوشك على النهاية.
لقد استخدم الإمام أبو بكر بن قزمان في أزجاله بعض المقطوعات بالعجمية. ومن المؤكد أنه ورث هذه الطريقة عن الوشاحين الذين كانوا يستعملون العجمية في خرجات موشحاتهم. فمن ذلك يقول الإمام من زجل له(20):
يا مُطرْ نَنْ شِلبَاط
تنْ حزينْ تنْ بَنَاط
ترا اليوم واشطاط
لم نذق فيه غير لقيمهْ
وقال أيضا في الخرجة من زجل له(21):
نمضي إن شاء الله من سرور لسرور
والسعاد بشاشتْ إذ مطور
وعدوك يذاق فشوال طلور
لعن الله من لا يقول نعم
لقد استخدم أبو بكر بن قزمان في هذه المقطوعة لفظة "إذ ماطور" (d'amator)، وهي عجمية بمعنى "للعاشق"، كما استخدم أيضا – وهو يتوعد الفقيه بعد شهر رمضان – لفظة "طلور" (dolor)، وهي عجمية بمعنى "الألم".
أما المستشرقون فقد أولوا اهتماما بالغا للأزجال الأندلسية وبالأخص ديوان ابن قزمان، وزعموا أن أزجال الإمام تمثلُ ذروة الشعر العربي وواقع المجتمع الإسلامي، إذ ركزوا بحوثهم على الألفاظ العجمية التي استخدمها ابن قزمان في أثناء أزجاله، وقد زعموا أن الزجال الأندلسي نظم بعض الخرجات الزجلية باللغة العجمية.
-
لكن خرجات الزجل لم تكتب بالرومانسية كما يذهب هؤلاء المستشرقون، وإنما وُجدتْ بعض الألفاظ في ثنايا أزجال ابن قزمان لا علاقة لها بالوزن أو الموسيقى أو القافية، وهي ألفاظ تعوّد الأندلسيون على استخدامها في حديثهم اليومي مع أفراد النصارى. ولم نجد ألفاظا عجمية عند الزجالة الذين تقدموا الإمام ابن قزمان أو عاصروه أو خلفوه، فيما وصل إلينا من أزجالهم.
أما العناصر التي يتكون منها الزجل فهي العناصر نفسها التي سبق إليها الوشاحون شكلا واصطلاحا في موشحاتهم، وهي المطلع والبيت والقفل والخرجة. وغالبا ما تكون الخرجة في الزجل بلغة فصيحة حسب ما وصل إلينا من أزجال، لأن الزجل ينظم بلغة غير معربة أو ما يشبهها، ولا بد من تمييز الخرجة منه، ولذلك يلجأ الزجال إلى نظمها بالفصحى.
وإلى جانب الألفاظ العجمية المتناثرة في أجزاء الأزجال، استخدم ابن قزمان أيضا بعض الأشطار تكاد تكون كلها عجمية أحيانا، أو تشاركها ألفاظ عربية وأندلسية محلية. كأن يصور في زجل من أزجاله، حوارا بينه وبين رومية، يسائلها بالعربية فتجيبه بالعجمية(22). وكان أبو بكر بن قزمان يستعذب بعض الألفاظ العجمية في أزجاله. ومثل هذا الحوار أوهَمَ بعض المستشرقين بأن الزجالين أخذوا مقطوعات من أغان عجمية، وبنوا عليها أزجالهم.
وبعد، يمكن القول إن لغة الزجل هي تلك اللغة التي يفهمها فئة واسعة من المجتمع، وهي لغة مهذبة سادت الزجل منذ نشأته إلى غاية القرن الثاني عشر الميلادي، وهو بداية ازدهار الزجل الذي كان في الحقيقة بداية انحطاط مذهبه ولغته حتى ظن أحد المستشرقين أن الأزجال الأندلسية نظمت للشارع(23). وقد أولى المستشرقون هذه الجوانب اهتماما بالغا، أما قيمة الزجل الحقيقية، فلم يتطرقوا إليها كما تقتضيه الحقيقة.
-
ورغم انتشار الشعر الشعبي في ذلك العصر إلا أن هذا لم يحد من انتشار العلم والمعرفة في أوساط المفكرين من علماء الإسلام، بل إن عصر المرابطين والموحدين هو العصر الذي عرف تجدد الفكر العربي الإسلامي على يد الفلاسفة الكبار أمثال ابن رشد وابن طفيل وغيرهما من جهابذة الإسلام. وبفضل هؤلاء، انتقلت زبدة المعارف العربية الإسلامية من الجنوب إلى الشمال وقد استفاد منها الأوربيون في بناء حضارتهم الحديثة.
3 – تأثير الموشحات والأزجال:
استخدم الشعراء التروبادور (les troubadours) في القرون الوسطى، إلى جانب لغتهم الأوكسيتانية (la langue d'oc)، مفردات أجنبية في شعرهم، منها ما يعود أصله إلى اللهجات الإيبيرية واللغة العربية ولغات رومانية أخرى. جاءت هذه المفردات متناثرة في أثناء قصائدهم على غرار ما ذهب إليه الأندلسيون في موشحاتهم وأزجالهم إذ كانوا يستخدمون أحيانا اللفظ العامي والعجمي في نظمهم.
ومن الشعراء من استعمل مقطوعة برمتها بلغة أجنبية، وكان أول من ذهب في هذا المذهب من البروفنسيين التروبادور الأول غيوم التاسع كونت بواتيه (Guillaume IX) (1074 م - 1127 م) الذي أدخل ضمن مقطوعات قصيدته، مقطوعة كاملة صَعُبَ على الدارسين الأوربيين تفسير معناها وتبيان أصلها اللغوي(24):
Mais que lur dis aital lati :
Tarrababart
Marrababelio riben,
Saramahart.
يجمع الباحثون المحدثون على أن لغة هذه المقطوعة ما هي إلا لغة عربية محرّفة. لقد عاش غيوم التاسع وسط عدد من الجواري العربيات اللائي أسرهن أبوه غيوم الثامن الذي قاد الحملة الصليبية على الحاضرة الإسلامية الأندلسية بربشتر سنة (456 هـ - 1064 م). لذا، نعتقد أن التروبادور الأول كان يعرف العربية.

استعمال العجمية عند الشعراء الأندلسيين جاء لدواع مختلفة منها الثقافية والاجتماعية، وقد تستعمل العجمية لإخفاء الأسرار عن الآخرين كما فعل السرقسطي في الخرجة لما كتم السر عن الرقيب. أما البروفنسيون فقد استعملوا الألفاظ الأجنبية عن لغتهم تقليدا للأندلسيين، لأنهم كانوا على علم بالخرجات الأندلسية التي تأثروا بها في مواضيع شتى لسهولة فهمها لديهم.
إن شعراء اللغة الأوكسيتانية ذهبوا إلى أبعد من ذلك، عندما نظموا القصائد بأكثر من لغة أجنبية. لقد نظم رامبو دي فاكيرا (Raimbaut de Vaqueiras) قصيدة بلغات مختلفة، منها الأوكسيتانية والإيطالية والفرنسية والغسكونية والجليقية والبرتغالية. والذي ساعدهم في إتقان هذه اللغات هو كون بعضهم ترجع أصولهم إلى أمم أخرى غير الأمة البروفنسية.
وفي الشعر الأوكسيتاني الذي نظمه الشعراء التروبادور في جنوب فرنسا في القرون الوسطى أشكال وموضوعات كالحب الفروسي والحبيبة المجهولة والفجريات وغيرها، تأثر فيها هؤلاء البروفنسيون بالشعر العربي وبالخصوص الموشحات والأزجال.
وفي الختام، ينبغي القول إن اللهجة أو اللغة غير المعربة لم تكن عائقا في وجه العلوم طالما ظلت اللغة الفصحى تحظى بالاهتمام والاحترام من قبل السلطة. وهذا عكس ما آلت إليه اللغة الفصحى في عصر الحكم العثماني عندما انحطت العلوم وانحط المجتمع الذي ساده الخرافات والبدع بسبب إهمال اللغة العربية، لغة العلم والتعلم والآداب الرفيعة، بل لغة القرآن الكريم ولغة الجنة. لذا لم نر منذ عصر ابن خلدون والمقري كتابا واحدا على الأقل يمكن عده من أمهات الكتب، بل حتى تراثنا الذي جادت به قريحة مفكري الإسلام، تعرفنا عليه في العصر الحديث بواسطة الأوربيين من مستشرقين ومستعربين.
الهوامش:
1 - انظر، ابن بسام الشنتريني: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت 1979، ق 1، م 1، ص 469. وعبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، طبعة كاترمير، باريس 1857، 3/ 391.
2 - ابن بسام: المصدر السابق، ق 1، م 1، ص 469. وانظر أيضا، علي بن سعيد: المقتطف من أزاهير الطرف، مستلة من كتاب "أعمال مهرجان ابن خلدون"، القاهرة 1962، ص 477.
3 - له كتاب في أخبار الأندلس لكنه لم يصل إلينا. انظر، أحمد الضبي: بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، دار الكتاب العربي، مصر 1967، ص 396.
4 - ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، بيروت 1974، الجزء الأول، ص 426.
5 - آنخل جنثالث بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، تحقيق د. حسين مؤنس، القاهرة 1955، ص 142 وما بعدها.
6 - ابن بسام: المصدر السابق، ق 1، م 1، ص 469.
7 - صفي الدين الحلي: العاطل الحالي والمرخص الغالي، تحقيق ولهلم هونرباخ، مطبعة فرانتز شتاينر، فيسبادن 1955، ص 10.
8 - لسان الدين بن الخطيب: جيش التوشيح، تحقيق هلال ناجي، مطبعة المنار، تونس 1966، ص 155.
9 - عدنان آل طعمة: موشحات ابن بقي الطليطلي وخصائصها الفنية، بغداد 1979، ص 210 .
10 - لسان الدين بن الخطيب: المصدر السابق ، ص 111.
11 - الأعمى التطيلي: الديوان، تحقيق د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت 1963، ص 289.
12 - أ - ج. بالنثيا: المصدر السابق، ص 143. انظر أيضا، د. شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في الشعر العربي، دار المعارف، الطبعة السابعة، القاهرة 1969، ص 454.
13 - ابن بسام: المصدر السابق، ق 1، م 1، ص 469.
14 - ابن خلدون: المصدر السابق، 3/ 404.
15 - صفي الدين الحلي: المصدر السابق، ص 17 وما بعدها.
16 - عبد العزيز الأهواني: الزجل في الأندلس القاهرة 1967، ص 55. وانظر أيضا، عبد العزيز عتيق: الأدب العربي في الأندلس، الطبعة الثانية، بيروت 1976، ص 98.
17 - ابن قزمان: الديوان، حققه فيدريكو كورينطي، المعهد الأسباني العربي للثقافة، مدريد 1980، ص 1.
18 - ابن حجة الحموي: بلوغ الأمل في فن الزجل، تحقيق د. رضا محسن القريشي، دمشق 1974، ص 60.
19 - ابن قزمان: المصدر السابق، ص 1.
20 - المصدر نفسه، زجل (10)، ص 78.
21 - المصدر نفسه، زجل (9)، ص 76.
22 - المصدر نفسه، زجل (84)، ص 542.
23 - إيميليو غرسيا غومث: مع شعراء الأندلس والمتنبي، ترجمة د. الطاهر أحمد مكي، دار المعارف، الطبعة الثانية، القاهرة 1978، ص 163.
24 - Alfred Jeanroy : Les chansons de Guillaume IX, Ed. Champion, 2e éd., Paris 1972, p. 35.
25 - Pierre Bec : Anthologie des Troubadours, Coll. 10/18, U.G.E., Paris 1979, p. 254.
مجلة حوليات التراث / جامعة مستغانم / العدد التاسع - 2009
اقرأ المزيد »

06 مارس, 2010

إشكالية المنهج في النقد الأدبي العربي الحديث - د/ العيد جلولي

تمهيد : عنوان هذه المداخلة وموضوعها يتناول إشكالية المنهج في النقد العربي الحديث والمعاصر, وهو موضوع متداول في كتابات نقادنا , تناوله عباس الجراري في كتابه ( خطاب المنهج ) , والطاهر وعزيز في كتابه ( المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية ) , وسمير سعيد حجازي في كتابيه ( إشكالية المنهج في النقد العربي المعاصر ) ,و( المناهج المعاصرة في دراسة الأدب ) وسيد البحراوي في كتابه ( البحث عن المنهج في النقد العربي الحديث ) , و , وخلدون الشمعة في كتابه ( المنهج والمصطلح ) , كما تناوله كتاب آخرون في مقالات متعددة , تناوله عبد العالي بوطيب في مقالة بعنوان (إشكالية المنهج في الخطاب النقدي العربي الحديث ) وقد استلهمنا منها جملة من الأفكار في كتابة هذه المداخلة , وحسن المنيعي في مقاله (أزمة المنهج في النقد العربي ) , وعزيز الشرقاوي في مقاله ( وضعنا النقدي , وضعنا الثقافي ) وغيرها من الكتب والمقالات , وهده المداخلة لا تسعى إلى طرح حلول لهذه الإشكالية , ولا إلى طرح مقاربة جديدة لهذه المسألة , وإنما تسعى إلى إثارة الموضوع من جديد , وجعله في الواجهة دائما , لأنه موضوع وثيق الصلة بقضايانا الفكرية والحضارية , كما تطمح إلى خلق فضاء جديد للحوار بين المناهج المختلفة .
تحديد منهجي واصطلاحي : إن تحديد المصطلح تحديدا دقيقا , ومعرفته معرفة أساسية يدخل في صلب المنهج , ومن هنا وانطلاقا من هذه القاعدة يجب تحديد لفظتي " إشكالية" و " المنهج " اللذين يشكلان صلب الموضوع , ذلك أن هذا البحث يتكون من ستة عناصر هي : إشكالية , المنهج , الخطاب , النقدي , العربي , الحديث .
في هذا البحث نستخدم لفظ " إشكالية " بدلا من استخدام لفظ " مشكلة " والفرق بينهما واضح , فالمشكلة " تتميز بكونها يمكن الوصول بشأنها إلى حل يلغيها. فـ "المشاكل" في الحساب تنتهي إلى حل، باستثناء بعض المعادلات الرياضية التي يكون حلها، أعني التخلص منها بعد البحث والمحاولة، بالإعلان عن كونها لا تقبل الحل. أما المشاكل المالية والاقتصادية والاجتماعية عموما, والمشاكل التي يصادفها العلماء في العلوم الطبيعية بمختلف أنواعها, فهي جميعا تنتهي إلى نوع من الحل، آجلا أو عاجلا، ما دام المجال الذي تطرح فيه ينتمي إلى الواقع الموضوعي ويقبل نوعا ما من التجريب. وفي هذا الإطار يصدق قول ماركس: "إن الإنسانية لا تطرح من المشاكل إلا تلك التي تقدر على حلها". لماذا؟ لأن "المشاكل"، بهذا المعنى، إنما تظهر من خلال تقدم البحث، فاكتساب مزيد من المعرفة بموضوع ما يفتح الطريق أمام اكتشاف مجاهيل جديدة، تكون مناسبة لطرح أسئلة جديدة." (1) أما لفظ " إشكالية " فهي من الكلمات المولدة في اللغة العربية (وهي ترجمة موفقة لكلمة problématique)) فإن جذرها العربي يحمل جانبا أساسيا من معناها الاصطلاحي. يقال: أشكل عليه الأمر بمعنى التبس واختلط. وهذا مظهر من مظاهر المعنى الاصطلاحي المعاصر للكلمة (ولكنه مظهر فقط). ذلك أن الإشكالية هي، في الاصطلاح المعاصر، منظومة من العلاقات التي تنسجها، داخل فكر معين (فكر فرد أو فكر جماعة), مشاكل عديدة مترابطة لا تتوفر إمكانية حلها منفردة ولا تقبل الحل، -من الناحية النظرية- إلا في إطار حل عام يشملها جميعا. وبعبارة أخرى : إن الإشكالية هي النظرية التي لم تتوفر إمكانية صياغتها، فهي توتر ونزوع نحو النظرية، أي نحو الاستقرار الفكري". (2)
وانطلاقا من هذا المفهوم للفظ " الإشكالية " فإن النقد العربي الحديث يعيش توترا انتهى إلى أزمة بسبب التهافت على المناهج الغربية دون تمثل صحيح أو تلق معقول , وهذه الأزمة أو الإشكالية تعددت مظاهرها وتشعبت مناحيها بحيث يستحيل حلها منفردة وإنما تحل في إطار عام يشمل كل المظاهر والمناحي .
أما لفظ " المنهج " فهو ترجمة للكلمة الفرنسية la méthode أو الإنجليزية the method وهما مشتقان من كلمة يونانية هي methodos وتعني عند أفلاطون : البحث , النظر , المعرفة , كما أنها غالبا ما تعني عند أرسطو : البحث . ونستنتج من معناها الأصلي اليوناني معنى اشتقاقيا هو : الطريق المتبع للوصول إلى الهدف المنشود رغم الموانع والصعاب , وإذا تصفحنا المعاجم اللغوية للبحث عن مدلول المنهج فإننا نجد مجموعة من الدلالات اللغوية وكلها تحيل على الخطة والطريقة والهدف والسير الواضح وهذا يعني أن المنهج هو خطة واضحة ومضبوطة بمقاييس وقواعد تؤطرها خلفية فكرية وفلسفية و ينطلق من مجموعة من الفرضيات والأهداف والغايات ويمر عبر سيرورة من الخطوات العملية والإجرائية قصد الوصول إلى نتائج ملموسة ومحددة بدقة . ولهذا فالمنهج ليس " مجرد أسلوب أو وسيلة تضبطها خطة وقواعد تيسر السير في طريق البحث عن الحقيقة وتساعد على الوصول إلى نتائج معينة , ولكن كمنظومة متكاملة تبدأ بالوعي والرؤيا المشكلين لروح المنهج وكنه اللامرئي , وتنتهي بالعناصر اللازمة لتحقيق ذلك الوعي وتلك الرؤيا من خلال الكشف والفـحص والدرس والتحليل والبرهنة , للإثبات أو النفي "(3) ويرى البعض أن " العلم هو المنهج , والمنهج هو جميع الخطوات التي يتبعها الباحث لاكتشاف أسباب وجود ظواهر أو حقائق معينة بواسطة الأدلة والمنطق , فالمنهج كما هو واضح ليس مادة أو موضوع البحث أو الحديث أو المقال , وإنما الكيفية أو الطريقة التي عالج بها الدارس المادة أو الموضوع الذي بين يديه , فهذه الطريقة أو تلك الكيفية هي وحدها التي تحدد لنا إذا كان هذا العمل عملا علميا أو غير علمي ؟ وإذا كان علميا فهل يصنف في صفوف العلم الحديث أو العلم التقليدي ؟ " (4)
ولأهمية المنهج وخطورته يرى البعض أنه المقياس لمعرفة ثقافة الشعوب والأمم فإذا أردنا التعرف على طبيعة ثقافة ما , فعلينا أن نتعرف على طبيعة مناهج الباحثين في هذه الثقافة , ذلك أن المنهج هو محصلة التفاعل بين إطار ثقافة الباحث الخاصة , وبين إطار ثقافته العامة , فالمنهج تعبير واضح وصريح عن درجة تخلف الثقافة أو تقدمها , وطبيعي أننا نقصد بثقافة الباحث الخاصة حصيلة المعرفة الأدبية أو العلمية التي يحصل عليها من خلال مطالعاته ودراساته ومعارفه الخاصة , وبثقافته العامة كل العناصر التي تشكل البنية العامة للفكر واللغة والقيم والسلوك والرموز والأساطير .(5)
إشكالية المنهج : عرفت الساحة النقدية في العصر الحديث تهافتا كبيرا على استيراد المناهج والمذاهب والتيارات المختلفة كتهافتها على استيراد السلع والبضائع دون قيد أو شرط , ودون معرفة دقيقة بهذه المناهج وبالبيئة أو التربة التي أنبتتها , و الظروف التاريخية والمعرفية التي أوجدتها , و الملابسات النفسية التي خلقتها , مما أوقع النقاد في اضطراب كبير , فالمتأمل في المحاولات النقدية التي وظفت المناهج الغربية المستوردة في دراستها للأدب العربي يلحظ ذلك الاضطراب والقلق الذي يطبع تلك المحاولات فجاءت تطبيقاتهم تتسم بالنقص والابتسار .
فالكثير من النقاد ينظرون للمنهج على أنه مجرد أدوات إجرائية في دراسة النصوص والموضوعات جاهلين أو متغافلين أن " كل مصطلح أو منهج إلا ويحمل في أحشائه , حتما خلفية فكرية , تختصر نفسها , ورؤيتها , وتحليلها , من خلال المصطلح النقدي , والمنهج الذي يلائمه ويستعمل في إطاره , ويتبادل الخدمة معه " (6) ففهم المنهج على أنه مجرد أدوات هو فهم سطحي , وتمثل ناقص للمنهج وطبيعته , وفي هذا الموضوع يقول الناقد عباس الجراري : " لقد شاع أن المنهج مجرد وسيلة للبحث عن المعرفة , وفحصها , أي مجرد خطة مضبوطة بمقاييس , وقواعد , وطرق تساعد على الوصول إلى الحقيقة , وتقديم الدليل عليها , هذه مجرد أدوات إجرائية , وهي في نظرنا , لا تمثل إلا جانبا واحدا من المنهج , أقترح تسميته بالجانب المرئي في المنهج " (7) إلى أن يقول : " ولكن هناك جانب آخر غير مرئي , باعتبار المنهج , أولا وقبل كل شيء , وعيا ينطلق من مفاهيم ومقولات وأحاسيس ذاتية , وتنتج عنه رؤية , ويتولد تصور وتمثل للهدف من المعرفة , من هذين الجانبين : المرئي واللامرئي , يتكون المنهج - أي منهج صحيح – من حيث هو منظومة متكاملة ومتناسقة " (8) ويفهم من هذا أن طبيعة المنهج تتكون من قطبين اثنين هما القطب الظاهري والمتمثل في الأدوات الإجرائية , والقطب الباطني والمتمثل في الخلفية الفكرية أو الفلسفية التي يستند عليها المنهج , وما القطب االظاهري إلا ترجمة علمية وإجرائية للقطب الباطني أو هو الإجابة الصريحة على الأسئلة الضمنية التي يطرحها القطب الباطني ,فإذا أخذنا مثلا نموذج التصنيف الثلاثي للمناهج ( داخلية , خارجية , توفيقية ) الذي وضعه الناقد المغربي الدكتور أحمد الطريسي أعراب في كتابه (التصور المنهجي ومستويات الإدراك في العمل الأدبي والشعري ) " نلاحظ أن المكونات الظاهرية لكل واحد منها , تتماشى في العمق ونوعية الرؤية الخفية المؤطرة له , بحيث يستحيل الجمع مثلا بين المكونات الظاهرة لمنهج ما , والرؤية اللامرئية لمنهج آخر , ولا توظيف الخطوات الإجرائية لمنهج معين , في إطار خلفية نظرية مرتبطة بمنهج مخالف , لما يمكن أن يتولد عن ذلك من تشويه وتلفيق بين وجهي المنهج , الظاهر والخفي , والتي من المفروض أن تطبع العلاقة بينهما انسجام وتناسق تامين , بشكل يسمح بتحقيق أنسب للأهداف والغايات المرسومة له , مما يعكس أهمية الدور الذي يلعبه القسم الخفي من كل منهج , في قسمه الظاهر , ويحقق الاستيعاب الشامل والكلي للمنهج , روحا وجسدا , بعيدا عن كل تصور جزئي قاصر .(9)
وتكمن قيمة المنهج فيما يحمله من قوة إجرائية بغض النظر عن خلفيته الفكرية وشحنته الأيديولوجية ومن ثم تظهر صلاحيته عند التطبيق , فالحكم المسبق على هذا المنهج أو ذاك بالسلب أو الإيجاب هو أحد مظاهر الأزمة التي تعصف بالخطاب النقدي العربي الحديث , فهناك من النقاد من يجاهر بمعاداة منهج أو مناهج بحجة أنها تستند إلى التراث وتلتمس الحل في كل قديم , رافعا راية الحداثة معتقدا أنها الثورة على كل قديم , وفريق آخر يتخندق داخل التراث معاديا لكل وافد جديد . والحقيقة أن الخطاب العربي الحديث بصفة عامة في مجال النقد والفكر والثقافة والمجتمع والسياسة عرف اتجاهين مختلفين , واندرج تحت كل اتجاه تيارات كثيرة , ومذاهب عديدة , من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مما أحدث أزمة " أدت من جملة ما أدت إليه إلى التمزق والخلاف , وقد حسب قوم أن هذه الفوضى مرحلة انتقالية ستفضي عاجلا أم آجلا , إلى النظام والانتظام , قياسا إلى ما عرفته الأمم الأخرى من مراحل فوضوية سبقت نشوء نظام جديد كان يبحث عن شرعيته ...لكن المقلق أن مرحلة الفوضى العربية , إن صحت التسمية قد تطاولت , وما زالت تتفاقم منذ عقود " (10) منذ حملة نابليون على مصر وما صاحبها من انقسام بين المفكرين , وما تولد عنها من إحساس فظيع بين عالم غربي ينهض ويحقق نجاحات في كل الميادين بما فيها الأدب والنقد , وعالم شرقي أفل نجم حضارته وراح يغط في سبات عميق , وهذا الإحساس الفظيع وربما الإحساس بالنقص هو الذي أدى في الأخير إلى أن يتهافت فريق من المفكرين والمثقفين والنقاد إلى استيراد ثقافة الغرب المعلبة ومنها المناهج النقدية بحجة وبغير حجة وهنا تمتثل أمامنا مقولة ابن خلدون : " إن المغلوب مولع – أبدا – بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده , والسبب في ذلك أن النفس –أبدا – تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه , إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه , أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي , إنما هو لكمال الغالب , فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقاد فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به , وذلك هو الاقتداء , أو لما تراه , والله أعلم , من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس , وإنما هو بما انتحله من العوائد والمذاهب تغالط أيضا بذلك عن الغلب , وهذا راجع للأول "(11) وهكذا تسرب للثقافة العربية شعار الغرب وزيه ونحلته على حد تعبير ابن خلدون , فظهرت التيارات والمذاهب والمدارس والمناهج في كل مناحي الحياة ومجالاتها , وتداخلت وتصارعت دون تمثل جيد أو تلق سليم مما ولد الفوضى كما رأينا .
وإذا عدنا إلى ساحة النقد فإن هذه الفوضى تظهر بجلاء من خلال ذلك التباين والاختلاف بين النقاد العرب في تمثل المناهج الوافدة أو في استلهام مناهج من تراثنا القديم , ومن هنا انقسم النقاد إلى مجموعتين " واحدة تعتمد المناهج الغربية الحديثة بكل ما لها من حمولة حضارية , فكرية وأيديولوجية , تجعل منه خطابا نقديا معربا أكثر منه عربيا , نلمس آثاره السلبية في شكل اغتراب جزئي أو كلي , يطبع مختلف أطرافه , موضوعا وتأليفا وتلقيا , وأخرى توظف مناهج عربية أصيلة , تمتد جذورها لتضرب في عمق التاريخ العربي , أيام ازدهار الحركة الأدبية عامة , والنقدية منها على الخصوص , مع أعلامها المرموقين أمثال الجرجاني والجاحظ وقدامة وابن سلام إلى آخر القائمة الطويلة " (12) والسؤال الذي يطرح في هذا المجال : هل استطاع دعاة الحداثة من النقاد أو من الأدباء أن يؤسسوا قواعد نهائية للنقد العربي الحديث والمعاصر, وللشعر العربي الحديث والمعاصر بحيث يمكن القول : هذا هو النقد العربي المعاصر , وهذا هو الشعر العربي المعاصر , لأن معظم الدارسين العرب يقرون بعدم وجود نقد عربي حديث وإنما ثمة نقد حديث يقتات على فتات موائد النقد الغربي , وليس ثمة قصيدة معاصرة وإنما ثمة نسخة مشوهة للقصيدة الغربية , وهل استطاع من جهة أخرى دعاة العودة إلى التراث أن يستلهموا منه مناهج قادرة على أن تكون البديل الناجح للتيارات الوافدة , والمناهج الغربية المستحدثة , وهل استطاعوا أيضا أن يعيدوا استنساخ السموأل و المهلهل والغطاريف الأوائل .والحقيقة التي أثبتها الواقع وألح عليها أكثر من ناقد هي أن المنهج النقدي لا يقاس بقدمه أو جدته , وإنما في تطبيقه وتمثله , والحكم عليه بعد ذلك , وهذا ما ذهب إليه عباس الجراري في كتابه (خطاب المنهج ) حيث يقول : " إن قيمة المنهج ليست كامنة فقط في نوع الأدوات التي استعملها الباحث , سواء أكانت صالحة أو غير صالحة , لمجرد أن البحث , أو أن موضة تقتضي نوعا ما من المناهج , ولكن قيمة أي منهج رهينة بما يحققه في نطاق رؤيته وهدفه ...وأود أن ألفت النظر إلى قضية أساسية ألح عليها , وإن أغفلها الكثيرون ممن يأخذون ببعض المناهج , وهي أنه يجب أن نعترف بتعدد هذه المناهج , وبأننا قد نقبل بعضها وقد نرفض بعضها الآخر , ولكننا حين نفعل لا ينبغي أن نراعي منطلقاتها الفلسفية , وإنما علينا أن نراعي مدى صلاحيتها وطواعيتها لموضوع الدرس "(13) فالمنهج كالكائن الحي يصيبه ما يصيب الكائن من الأمراض والعلل , ويدركه ما يدرك الكائن من العجز والشيخوخة فيتحول إلى أشلاء بالية " لأن المناهج مهما تكن , يأتي عليها يوم , بعد أن تعطي كل ثمارها , فتفقد خصوبتها وتصبح عاجزة , عن أن تفيدنا بشيء , أو أن تعرفها بجديد , ولذا فإن أنجع ما يكون حديثنا عن المناهج , ليس في ضبط قواعده وتحديدها أدق تحديد , ولا عندما يقوم وحده كصرح نسقي أو معياري , ولكن عندما يكون خصبا هنا والآن ."(14) وانطلاقا من هذا الوعي بالمنهج وخصوصيته فلا وجود لمنهج صالح على الدوام , وصالح لكل الموضوعات , فما يصلح الآن قد لا يصلح في المستقبل القريب أو المتوسط أو البعيد , وما يصلح لموضوع قد لا يصلح لموضوع آخر, فكل موضوع أو نص هو فريد من نوعه , لا يقاس به غيره , وما ثبت نجاحه في تربة معينة , قد لا يحرز ذلك النجاح في تربة أخرى , فالمسألة هنا تبقى نسبية , والمحك الحقيقي , والفيصل في هذه المسألة هو التطبيق كما قلنا في مقدمة هذه الدراسة " ونحن حين ننظر في محاولات نقادنا في المرحلة الحديثة المعاصرة نجد أنهم سعوا إلى التوسل ببعض مناهج النقد الجديد التي أعطت ثمارا كلية أو جزئية عند الغربيين , ولكن سعيهم لم يتجاوز التجريب الذي لم يتح له أن يتم دون الوقوع في الخلل , وهو خلل مرده إلى أن التطبيق لم يكن متقنا وسليما . وما كان له أن يأتي على الوجه الأنسب بسبب الاختلاف الذي يمس نوع المعطيات ومدى تأثيرها حين تكون مستخلصة من بيئة ويحـاول إلصاقـها ببيئة أخرى من جهة , والذي يمس طـبيعة التعبير وأداتـه وكل ما يرتبط بهما من جهة أخرى "(15)
ومادامت الساحة الفكرية بصفة عامة , والساحة النقدية على وجه الخصوص , تضم هذين الفريقين فالمعول عليه في هذا المجال هو خلق ثقافة الحوار بين المناهج المختلفة , والتيارات المتنوعة , والمدارس المتعددة , وهو حوار يتقاطع مع حوار الحضارات والثقافات , ويفضي إلى نزع فتيل التوتر بين الفريقين , ويكون في الأخير سبيلا لحل هذه الأزمة المتعددة الجوانب , ذلك أن " قضية المنهج في طليعة اهتمامات الدارسين والنقاد العرب , إذ يرونها حجر الزاوية لتجاوز الأزمة التي يعانيها الفكر , وكذا تخطي الواقع في شتى مظاهر معاناته , إلا أن عرضها مفصولة عن السياق المعرفي ومجموع مكونات الذات وحواجز الإبداع , يجعل التناول مبتورا لا يفضي إلى رؤية صحيحة ومتكاملة , تبلور حقيقة المنهج , وتتيح التحكم فيه بحل إشكاليته " (16) فأزمة المنهج جزء من الأزمة الشاملة وأي علاج يتناول المنهج معزولا عن سياقه العام يكون العلاج ناقصا مبتسرا وربما فاشلا مميتا . ومرد ذلك أن اختيار منهج معين , أو مجموعة من المناهج , إنما ينطلق من قناعات معينة لها مرجعيات أيديولوجية , ومن ثم فالاختيار ليس بريئا ولا عفويا .
إن الانغلاق داخل التراث والتقوقع فيه , وحفر الخنادق وإقامة الحصون والقلاع للمحافظة على الخصوصيات الدينية والقومية , ومواجهة ما كان يسمى الغزو الثقافي لم يعد اليوم لعبة تسلي خصوصا في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات , ثورة الفاكس والانترنت وأطباق البث والالتقاط , حيث فقد المكان معناه يوم فقد حدوده بفعل الوسائل العابرة للحدود وهذا ما عناه بول كينيدي حين قال : " سوف ينزعج معظم الناس إلى حد كبير إذا ما واجهتهم تلك الفكرة التي تقول إن الدولة القومية في طريقها لأن تغدو شيئا من مخلفات الماضي " (17) , وفي مقابل ذلك فإن الارتماء في أحضان الآخر , والانسلاخ من التراث , والوقوع في براثن التبعية والاستلاب ليس هو البديل لمواجهة هذه التحديات , ولاشك أن المنطق السليم , والواقع الراهن يرفضان هذين السبيلين لعقمهما . ولعل حل هذا الإشكال الحضاري في ظل الموجة الحضارية الثالثة وهي الموجة المعلوماتية بعد أن تخطى العالم الموجة الحضارية الثانية وهي الموجة الصناعية هو الانفتاح المقيد "بشروط موضوعية تضبط حدوده وتوجهاته , وتحافظ للذات على خصوصياتها وتمايزها , التي بدونها لن تجد مكانا في الخريطة الحضارية الكونية , شريطة أن لا تبلغ هذه المحافظة حد الانغلاق فتنقلب لتقوقع يسد الأبواب ويكرس التخلف " (18) وأن لا يبلغ هذا الانفتاح حد الانسلاخ فينقلب إلى انفتاح يكسر الأبواب ويهدم الخصوصيات .
لاشك أن الانفتاح المقيد بشروط هو الحل التوفيقي الذي يأخذ بعين الاعتبار الوضع الحضاري الحالي بكل أبعاده وسماته , بين تراثنا القديم الذي هو من إفرازات الماضي الذي لم يعد له وجود , من جهة , والحضارة الغربية الحديثة التي تتجاوزنا معطياتها بمراحل كثيرة , من جهة أخرى مما سيعمل دون شك على تمكيننا من قواعد المعرفة المعاصرة , ويرسخ جذورها في تربتنا , بعيدا عن التبعية و الاستلاب (19) وفي اختيارنا لهذا الحل التوفيقي يجب أخذ الحيطة والحذر حتى لا نسقط في التلفيق بدل التوفيق . وهذا يتطلب أمرين : " أولهما الرجوع إلى تراثنا العلمي وسبر أغواره , واكتشافه من جديد لحصر العناصر المعرفية والمنهجية , واستحضار ما هو منها حي وملائم لتوظيفه كما هو , أو ما هو قابل للتطوير قبل التوظيف , وكذا لاستخلاص ما هو صالح لننطلق منه أو نستوحي أو نستمد بعض ما يقوي فينا قدرة الإبداع أو يفتح أبوابه . وثانيهما : التفتح بوعي وعمق وحرية على تراث الغرب , وبجد , في شتى نواحيه ومختلف ميادينه , ليس لمجرد إتباعه والبقاء في مؤخرة الركب لاهثين خلفه , ولكن لاكتساب المقومات التي أهلته للتقدم , وامتلاك المفاتيح التي يبقى مسدود أي باب في وجهه يريد دخوله وارتياده , وبدون هذا الامتلاك وذلك الاكتساب سوف نظل مجرد مستهلكين لما يتبقى من فتات يلفظه الغير , إن إجراء هذه العملية يتطلب وسائل وإمكانيات , تقوم على مدى إحساسنا بالواقع الذي نعيشه , ومدى الرغبة في تغييره , والقدرة على هذا التغيير , كما تقوم على معرفتنا بالذات والكيان , وتحديدنا للغايات والأهداف , ونظرتنا الموضوعية للآخر في غير قبول أو رفض مسبقين , وتقوم قبل هذا وبعده على الوعي الصحيح بالعملية لفهمها وإدراكها واستيعابها , في حقيقتها وعمقها , بعيدا عن أي جدل عقيم , لا يستند إلا على مجرد التحيز والخصومة , وتلكم إشكالية أخرى "(20) .
وإذا حصرنا الحديث الآن في المنهج فهذا المنطق نفسه يقتضينا أن ننظر إليه نظرة معتدلة , فنعيد قراءة التراث برؤية جديدة قائمة على أسس علمية تأخذ بعين الاعتبار أن في تراثنا صفحات مشرقة ومضيئة في مجال الأدب والنقد يمكنها أن تكون منطلقا ومرجعا نستأنس به في مقاربة ما نتلقاه من الآخر الذي يبهرنا بثقافته منذ الحملة النابليونية وإلى الآن , وليس التلقي عن الأخر عيبا وإنما العيب أن نفقد خصوصيتنا " لقد أفاد النقاد العرب القدامى الذين يشكلون تراثنا النقدي من النقد اليوناني , ولكنهم ظلوا يحتفظون بخصوصيتهم اللغوية والحضارية وبهويتهم فعكست نقودهم لغتهم ولغة إبداعهم وجسدت خصوصيتهم القومية والحضارية ." (21) كما أن في تراثنا ركاما ثقافيا لم يعد اليوم له نفع , والاشتغال به يعد ضربا من الترف الفكري , كما يجب أن نعيد تشكيل استراتيجيتنا في تلقي ثقافة الآخر حتى لا نقع في فخ التبعية والاستلاب , وكلما تسلحنا بهذا الوعي كلما كان تلقينا للمناهج مفيدا و نافعا .
اقرأ المزيد »

الخلفية الماركسية للنقد السوسيولوجي العربي الحديث

تمـهيد :
نود أن نشير في البداية إلى مسألة جديرة بالملاحظة وهي أن المنهج –أيا كان- يقوم على جانبين الأول يتمثل في الجانب المعرفي أو الرؤية الإبستيمولوجية التي تؤطر المنهج ونستطيع أن نسميه الجانب اللامرئي وهو الذي يحدد أهداف المنهج ومراميه، والجانب الثاني ويتمثل في الأدوات الإجرائية التي تساعد الناقد أو الباحث على ضبط خطواته في التعامل مع النص ونستطيع أن نسميه الجانب المرئي.
ومن الأخطاء الشائعة في نقدنا المعاصر هو إغفال أو إهمال النقاد للجانب اللامرئي في المنهج وشاع بينهم "أن المنهج مجرد وسيلة للبحث عن المعرفة وفحصها أي مجرد خطة مضبوطة بمقاييس وقواعد، وطرق تساعد على الوصول إلى الحقيقة، وتقديم الدليل عليها، هذه مجرد أدوات إجرائية وهي في نظرنا لا تمثل إلا جانبا واحدا من المنهج"(1).
ويعتبر المنهج –أولا وقبل كل شيء- وعيا ينطلق من مفاهيم ومقولات وأحاسيس ذاتية، وتنتج عنه رؤية، ويتولد تصور وتمثل للهدف من المعرفة(2) "وكل مصطلح أو منهج إلا ويحمل في أحشائه حتما خلفية فكرية تختصر نفسها ورؤيتها وتحليلها من خلال المصطلح النقدي والمنهج الذي يلائمه ويستعمل في إطاره، ويتبادل الخدمة معه"(3).
وانطلاقا من هذه الرؤية نتناول في هذه المداخلة الخلفية الماركسية للنقد السوسيولوجي العربي الحديث من خلال مقاربة بعض الآراء النقدية لنقاد الاتجاه الواقعي الاشتراكي.

موضوع الماركسية :
تتناول الماركسية المجتمع في نشأته ومقوماته وتراكيبه وعوامل التغيير فيه ومراحل تطوره ومصيره، من رؤية جديدة ترجع منشأ المجتمع إلى "العمل الاجتماعي" الذي استلزمته الحياة الاجتماعية.
والماركسية بأخذها الوجود الاجتماعي على أنه الأصل وأخذها علاقات الإنتاج على أنها أساس التكوين الاجتماعي، وهي علاقات أصولها مادية وطبيعتها اجتماعية، استبعدت في نشوء المجتمع ومقوماته الأساسية كل الغيبيات ونظرت إليه من حيث هو واقع تكيف في مدى التاريخ يأخذ الشكل والخصائص التي تفرضها العلاقات التي يستلزمها إنتاج الناس مقومات حياتهم وتتعين بها طبيعة المرحلة التي يكون فيها المجتمع، وأرجعت بدء وجود المجتمع إلى الفترة التي تجاوز فيها الإنسان أطوار الهمجية وشرع يصنع لنفسه عالما خاصا يتقي به طغيان الطبيعة وجبروتها ويدفع عن نفسه التعرض لمهالكها مستعينا بالعلاقات الاجتماعية التي ساعدته على أن يتجاوز حياة البهائم ويتحول إلى كائن اجتماعي يعيش في مجتمع هو من صنعه، يخضع لأحكامه ويواجه الطبيعة به، وقد أعد نفسه عن طريقه بالعلم والمعرفة والمهارة فتهيأت له بها القدرة على استكشاف أسرار الطبيعة وتسخيرها لخدمته(4).
والماركسية لا تنظر إلى التكوين الاجتماعي من حيث هو كل متماسك فحسب، بل تنظر إليه أيضا على أنه تكوين يتطور فيتغير باستمرار، وكل تغيير فيه سواء في قاعدته الاقتصادية أم في تراكيبه الفوقية له مردود في كل تراكيبه الأخرى وفي مجمل كيانه، مما يجعل حركة التغيير فيه متواصلة وشاملة، وبواعث حركة التغيير هذه وعناصرها وامتداداتها ووسائل ضبطها وتوجيهها وما يتطلبه كل ذلك من معرفة ودراية بشؤون الحياة الاجتماعية وما يستلزمه من جهد، يؤلف المهمة الفكرية والفعلية للماركسية(5).
واتخذت الماركسية دليلا لها في متابعة حركة التغيير الاجتماعي، التفسير المادي للتاريخ، تمييزًا عن تفسير هيغل المثالي الذي اعتبر الفكر أصل الوجود ومبعث ظواهره، يعكس ما ذهب إليه التفسير المادي الذي جعل الوجود المادي هو الأصل، والتفسير المادي للتاريخ شأنه شأن تفسير هيغل المثالي، ديالكتي في أصوله يتابع حقائق الوجود وظواهره باستجلاء ما تنطوي عليه من متناقضات هي عنده محرك التحولات الاجتماعية. فهو لهذا تفسير للتاريخ وفي الوقت عينه، طريقة للبحث والتحقيق العلمي في شؤون المجتمع(6).
يقول كارل ماركس : "وبتغير القاعدة الاقتصادية، يمتد التغيير، وعلى عجل، ليشمل التركيب الفوقي برمته، وفي تأمل هذا التغيير، علينا أن نميز دائما بين التغيرات "المادية" في الأوضاع الاقتصادية للإنتاج التي يمكن ضبطها بالدقة عينها التي تضبط بها معطيات علوم الطبيعة، وبين التغيرات في الشؤون القانونية والسياسية والروحية والجمالية والفكرية، وبالاختصار كل المسائل الإيديولوجية التي تشعر الناس بالتناقضات في حياتهم وتدفع بهم إلى ميدان الصراع لتسويتها"(7).
ويقول في البيان الشيوعي : "وهل يحتاج الأمر إلى قدرة خارقة على الفهم لندرك أن أفكار الإنسان وآرائه وتصوراته وبعبارة أخرى، كل إحساساته ومشاعره تتغير مع كل تبدل في أوضاع وجوده المادي وفي علاقاته وحياته الاجتماعية، وهل أثبت تاريخ الفكر غير أن الأفكار في خصائصها تتغير تبعا للتغير في الإنتاج المادي، وأن الأفكار التي غلبت في كل عصر كانت أبدا أفكار الطبقات التي سادت فيه"(8).
كل ذلك يؤكد القضية الأساسية في الماركسية وهي أن الأصل في المجتمع هو الواقع المادي وامتداداته التاريخية وعوامل التغيير فيه، وتجعل من الممكن وضعها بالأوليات الآتية :
1- أن الواقع المادي وعلى الخصوص الجانب الإقتصادي الذي يتعلق بالإنتاج الاجتماعي، أي الإنتاج لسد حاجات المجتمع وما يتطلبه هذا الإنتاج من علاقات، هو مبعث كل ما يقوم في المجتمع من نظم وأفكار ومعتقدات ومشاعر(9).
2- أن أي تغيير في النظم والأفكار والمعتقدات والمشاعر مرده إلى التبدل الحاصل في الواقع المادي، أي أنه تغيير يساير ويستجيب بوجه عام لما يحدث في الواقع المادي من تبدل.
3- أن التبدلات في الواقع المادي تجري على نهج ديالكتي، أي أنها تكون حصيلة الصراع بين عوامل السلب والإيجاب التي ينطوي عليها، وإن دواعي التغيير مردها دائما جانب السلب لأنه الجانب الذي يعاني الحرمان والنقص بينما جانب الإيجاب يميل إلى المحافظة وإبقاء الحال على ما هي عليه، فهي تحمل ما يرضيه ولهذا كان كل تغيير في الواقع المادي هو انتصار لجانب السلب يؤدي إلى تحول جانب السلب في الوقت عينه إلى إيجاب ينبعث عنه سلب جديد يواجهه ويريد تغييره وهكذا(10).
ولا تعتبر الماركسية العامل الاقتصادي هو المؤثر الوحيد في البنية العليا الفكرية، وإنما يضاف إليه الإنتاج وتكراره للحياة الواقعية، وكذلك اللحظات المختلفة للبنية العليا كالأشكال السياسية لصراع الطبقات وما ينتج عنه، والأنظمة المختلفة التي تضعها الطبقة المنتصرة بعد سيطرتها، والأشكال القانونية وجميع انعكاسات الصراعات الواقعية في عقول من يخوضونها حتى النظريات السياسية والقانونية والتصورات الدينية في تطورها اللاحق كل أولئك يمارس تأثيره على مجرى الصراعات التاريخية ويحدد في كثير من الأحوال شكلها بطريقة قاطعة(11).

الماركسية والواقعية الاشتراكية والاتجاهات السوسيولوجية :
تمثل الواقعية الاشتراكية المرحلة الثالثة للواقعية أي جاءت بعد الواقعية الساذجة أو التقليدية ثم الواقعية النقدية أو الانتقادية. وتستمد معالمها من نظرية كارل ماركس الاقتصادية التي نادت بتفسير التاريخ تفسيرا ماديا، وتذهب إلى المطالبة بتغيير الواقع وإعادة تشكيله.
ولم تتضح معالم الواقعية الاشتراكية إلا في بداية القرن العشرين معتمدة على آراء كارل ماركس ولينين. ولم يكن كارل ماركس ولينين ناقدين لأنهما لم يضعا في النقد والأدب شيئا خاصا محددا ولكنهما كانا يهتمان بالنقد والفن والأدب، فكارل ماركس زاول الشعر في شبابه وترك آراء يعنى بها تاريخ النقد وهو فيلسوف ينطلق من الفلسفة المادية ويشغل الصراع الطبقي والعامل الاقتصادي حيزا كبيرا من هذه الفلسفة وفي كل هذا خلفية فلسفية للنقد الأدبي، أما فلاديمير لينين فكانت له آراء نقدية وتعليقات أدبية وثقافية ومن مشهور آثاره وقفته عند تولستوي ودعوته إلى حزبية الأدب(12).
فالواقعية الاشتراكية باعتبارها منهجا سوسيولوجيا اعتمدت في رؤيتها على الفلسفة الماركسية للكون والحياة والناس ومن ثم كان روادها الكبار ماركسيين أمثال (مكسيم غوركي) الذي يعود له الفضل في صياغة وتسمية هذا الاتجاه باسم الواقعية الاشتراكية وأيضا (ماياكوفسكي) و(شولوخوف) وغيرهم.
وتتفق الماركسية مع الواقعية الغربية في الأخذ بالنقد السوسيولوجي وبمنظور التلازم بين البنية الاجتماعية من ناحية والعمل الأدبي من ناحية أخرى وقد أسهم في ذلك ازدهار علم الاجتماع بصفة عامة وعلم الاجتماع الأدبي بصفة خاصة، وظهر هذا التلازم بشكل جلي في المدرسة الجدلية التي تعود أصولها إلى فلسفة هيغل المثالية ثم عند كارل ماركس في حديثه عن العلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية في الإنتاج الأدبي والثقافي وهذه العلاقة متبادلة ومتفاعلة مما يجعلها علاقة جدلية(13).
ويعد جورج لوكاش –فيلسوف الواقعية الأكبر- من الرواد الذين درسوا وحللوا العلاقة بين الأدب والمجتمع انطلاقا من أن الأدب انعكاسا للحياة وتعبير عن حركة المجتمع، ثم جاء بعده لوميان جولدمان الذي يرى في الأعمال الأدبية تعبير عن الوعي الطبقي للفئات والمجتمعات المختلفة. وهي أيضا –أي الأعمال الأدبية- تتميز بأبنية دلالية كلية وهذه الأبنية الدلالية تختلف من عمل لآخر، ونقطة الالتقاء بين البنية الدلالية والوعي الجماعي الطبقي هي أهم الحلقات عند جولدمان والتي يطلق عليها مصطلح (رؤية العالم) فكل عمل أدبي يتضمن رؤية للعالم(14).

أعلام الماركسية في النقد السوسيولوجي العربي الحديث
يأتي سلامه موسى (1887-1958) في طليعة الكتاب الذين أخذوا بالمنهج السوسيولوجي في دراسة الأدب ونقده والدعوة إلى أدب الإصلاح الاجتماعي متأثرا منذ البداية بالفكر الماركسي في اعتبار الأدب مرتبطا بالأوضاع الطبقية للمجتمع، وفي ضوء هذا الاعتبار أخذ يقوم الأدب العربي القديم، فالأدب العربي القديم كان مقصورًا في نظره على مخاطبة طبقة خاصة يقول في كتابه الأدب للشعب "لذلك نقرأ كتب الأدب العربي القديم فلا نجد أية عناية بالصانع أو التاجر أو الزارع أو المرأة، لأن كل هؤلاء كانوا أميين، لم يتعلموا، ولذلك نجد أن المؤلفين كانوا يعنون بقصص الملوك والأمراء، وبما يجب عليهم من الواجبات السياسية للرعية، كما نجد آلاف النصائح والوصايا والحكم، من الملك سليمان إلى أرديشر إلى الاسكندر إلى معاوية، وجميعها في شأن الحكم والحرب والولاية والجود والعفو، وهذه كلها وأمثالها شؤون كانت تهتم بها طبقة صغيرة حاكمة ... ولذلك أيضا نجد أن الأدباء القدماء كانوا يكتبون لأدباء مثلهم، ثم تكون مناقشة ما يكتبون في مجالس الأمراء والملوك وأئمة الدين، لأن أئمة الدين كانوا من الحاكمين والولاة .. ولذلك أيضا نجد أن الأدب القديم كان على الدوام أسلوبا تقليديا ولم يكن ابتكاريا مستقبليا وعبارة "قال فلان" ثم عبارة "السلف الصالح" كلتاهما تدل على أن الأديب العربي القديم كان ينشد الحكمة خلفه وليس أمامه وكان يكتب للخاصة بل أخص الخاصة التي تعلمت مثله ودرست ثقافته ونزعت نزعته، وأخص الخاصة كانت تلتفت إلى الماضي لأن حقوقها التاريخية كانت تستند إلى هذا الماضي وإلى احترام عاداته ولغته، فجذبت إليها الأدباء الذين يؤيدونها"(15).
ويكتب سلامه موسى عن رؤيته للأدب وعن الحاجة إلى التجديد فيقول: "ومن أجل ذلك شعر هؤلاء الأدباء بالحاجة إلى لغة جديدة تعبر عن مقاصدهم، فهؤلاء الأدباء يطلبون أدبا عضويا يرتبط بالمجتمع ويؤدي فيه وظيفة حيوية، وهو عضوي من حيث أنه يؤدي في الجسم الاجتماعي خدمة معينة كما تؤدي اليد أو القدم خدمة معينة للجسم البشري"(16).
وفي مقدمة كتابه "الأدب الانجليزي الحديث" هاجم سلامه موسى الأدب العربي لخلوه من النزعة الاجتماعية وهاجم الأديب العربي الذي يهتم بأسلوب الكتابة لا بأسلوب الحياة ويراعي الأصول الفنية دون مراعاة مشكلات المجتمع وقضاياه(17). ودعا صراحة إلى "التنقيب عن معنى الحياة ودلالتها، وهو البحث عن طبيعة الكون، وهو إقناع الإنسان بأن يكون إنسانيا، وهو ابتكار القيم الجديدة تأخذ مكان القيم القديمة وتزيد الدنيا والبشر جمالا وسعادة، أجل وطعاما للجائعين"(18).
وفي كتابه "البلاغة العصرية واللغة العربية" يشن حملة شعواء على القائمين بتدريس اللغة العربية في مصر لأنهم يستخدمون لغة بعيدة عن روح المجتمع في البيت والشارع والمصنع والمزرعة وغيرها(19).
وتتضح الخلفية الماركسية في أدب سلامه موسى في دعوته لأدب الإصلاح الاجتماعي، وقد اتخذ الكاتب مصطلح "صناعي" رمز التقدم ومصطلح "زراعي" رمز للتخلف والجمود، واتهم بالرجعية كل الأدباء الذين لم يهتموا بالحركة الصناعية وسمى أدبهم أدب الجمود والتقاليد وكراهة التغيير والخوف من المستقبل ودعا إلى الأدب الاشتراكي أدب التغيير والتطور والإيمان بالمستقبل ومكافحة الفقر والجهل والمرض ومكافحة الاستعمار والاستبداد(20).
ومع هذه الخلفية الماركسية التي استمد منها سلامه موسى تفسيره للأدب "لم يكن ماركسيا وإن كتب عن أدباء الروس، وتقمصته روح انجلز ولينين أحيانا، وروح بابيت ومور أحيانا أخرى"(21). ومهما قيل عن أدبه ورؤيته للكون والحياة والناس فإن الفضل يرجع إليه في طرح قضية علاقة الأدب بالمجتمع والتأثير فيمن جاء بعده من أعلام الفكر الماركسي في النقد العربي الحديث.
ثم يأتي بعد سلامه موسى محمد مفيد الشوباشي الذي يعد من أوائل الماركسيين العرب متأثرا بالماركسيين الروس وقد انكب على دراسة وتحليل وترجمة أدبهم وأعمالهم إلى اللغة العربية .
ويأتي بعده محمود أمين العالم المؤمن بالماركسية والداعي إلى الواقعية الاشتراكية في كل كتاباته وهو القائل بأن الماركسية تعد "النظرية الوحيدة التي تعترف بالأساس الاجتماعي الطبقي للديمقراطية وتحدد السبيل العلمي لتوفير أرقى مستوى من الديمقراطية للمجتمع البشري"(22).
ومن الماركسيين العرب عبد الرحمن الخميسي وعبد المنعم تليمة وأحمد محمد عطية. وإذا كان هؤلاء قد ظلوا متمذهبين بالماركسية طوال حياتهم فإن مجموعة من النقاد العرب بدأ حياته متحمسا للماركسية والدعوة إلى اجتماعية الأدب ولكنه انتهى في الأخير إلى التخلي عن هذا التطرف في الدعوة إلى الماركسية والاكتفاء بالمنظور الاجتماعي للأدب أمثال عبد العظيم أنيس ومحمد مندور ولويس عوض وغالي شكري وغيرهم(23).

الخلية الماركسية للنقد السوسيولوجي العربي الحديث :
تجلت الخلفية الماركسية للنقد السوسيولوجي العربي الحديث في تناول مجموعة القضايا نكتفي بتناول قضيتين هما:
1- الحرية والالتزام :
تؤمن الماركسية بفكرة الالتزام في الأدب، غير أن هذا الالتزام سلك طريقين مختلفين، طريق ماركسي وطريق وجودي وشتان بين طريقين، فالالتزام في الماركسية ينطلق من قاعدة أساسية وهي أن الأدب هو الأداة المعبرة عن نضال الطبقات الكادحة وثورتها وتطلعاتها، والأديب الملتزم هو الذي يجعل أدبه أداة لتوجيه الجماهير نحو الأهداف التي يرسمها النظام الاشتراكي، ولهذا نادوا بضرورة أن يكون الفن عموما للمجتمع وليس الفن للفن.
وقد ظهرت هذه الدعوة عند الماركسيين العرب وتحدثوا عن المفهوم الاجتماعي للحرية وعلاقته بالالتزام، وهم يرون أن حرية الأديب لا تكتمل إلا في إطار الحرية الاجتماعية والالتزام عندهم لا يعني أن يتجرد الأديب من حريته أو أن يتحول الأدب إلى شعارات وتقارير، لهذا يقول (محمود أمين العالم) في معرض رده على من يعتقد ذلك "ولسنا نحجر على حريتهم في التغبير، ولسنا نطالبهم بأثقال ضمائرهم بغير ما تنفعل به، ولسنا نقول لهم اجعلوا من أدبكم وفنكم شعارات ثورية أو حلولا اجتماعية أو تقارير سياسية، ذلك أن الالتزام في الأدب والفن ليس نقيضا للحرية ولا يمكن أن يتم على حساب الأدب والفن"(24).
ويؤكد هذا (أحمد محمد عطية) الذي يرى أن الالتزام في الأدب والفن وعي واقتناع واختيار حر، وليس ملتزما من كان التزامه نابعا عن نفاق اجتماعي، كل ذلك حتى لا يتحول "عمل الأديب إلى نوع من الخطب أو المنشورات السياسية أو الأعمال الفجة المباشرة وأسلوب التقارير الجافة"(25).
ويرى عبد الرحمن الخميسي أن حرية الأديب تكمن في انسجام مشاعره وعواطفه وأحاسيسه مع مشاعر وعواطف وأحاسيس مجتمعه حيث يعيش الأديب مشاكلهم ويصور آلامهم وآمالهم، وينشأ عن هذا الانسجام نوع من الألفة يتمكن من خلالها تحقيق حريته(26).
ويرى عبد الرحمن الخميسي أن دعوة الفن للفن تقوم بتوظيف الفن في امتصاص تفاؤل الإنسان ونسف اعتماده على الواقع والالتقاء به في دوامات الخيال وتعطيل إرادته عن الازدهار وهو الرأي الذي ذهب إليه عبد المنعم تليمة الذي يرى في نظرية الفن للفن رجوع إلى أدب البرج العاجي حيث حولت هذه النظرية الحرية إلى قيمة عليا مجردة وصورت الأديب كرجل عاجز عن تغيير مجتمعه(27).
2- الشكل والمضمون :
الشكل هو طريقة التعبير عن الفكرة ويسمى الأسلوب أو المبنى في مقابل المعنى أو الفكرة أو المضمون، وقد شاع أن الاتجاه الماركسي يولي رعايته للمضمون وأن اهتمامه بالشكل يأتي في المرتبة الأخيرة، وهو أمر إن صح عند بعضهم لا يصح عند الكثيرين منهم فالناقدان الماركسيان (محمود أمين العالم) و(عبد العظيم أنيس) في كتابهما "في الثقافة المصرية" لا يفصلان بين الشكل والمضمون وإنما ينطلقان من مفهوم معتدل وهو أن الأديب الناجح هو الذي يوازن بين الشكل والمضمون فلا يطغى الشكل على المضمون ولا المضمون على الشكل.
كما حاول (محمد مفيد الشوباشي) أن يجمع بين المضمون والشكل ونفى أن يكون الشكل مجرد مطية لنقل المعاني والأفكار أو الأحداث دون أن يكون له أهمية في ذاته فالمعاني أو الأحداث الحية العميقة تترهل إذا لم يبرزها شكل يطاولها قوة وعمقا(28).
وربما أدى اهتمام بعض النقاد الماركسيين بالمضمون إلى إغفال الفروق بين اللغة الفصحى والعامية وهذا ما يبرز عند (أحمد محمد عطية) الذي يرى أن لغة الأدب عامية كانت أم فصحى ليست هي معيار جودته، ولكن المعيار الحقيقي هو مدى تأثير العمل الأدبي على المتلقي ومدى خدمته للمجتمع(29).
وإذا كان أحمد محمد عطية قد ذهب هذا المذهب فإن عبد الرحمن الخميسي يخالفه الرأي فهو يميز بين أدب يكتب للمجتمع بلغة مبسطة وبين أدب يكتب بالعامية فيقول: "ويخلط الكثيرون بين الأدب الذي ندعو إليه وهو الأدب الذي يكتبه الفنان لسواد الناس وبين الأدب الشعبي، الأدب الأول هو التطور المستفيد من أسمى ما جادت به قرائح ومواهب عباقرة الأدب والفن المستمسك بجمال الشكل وجدية المضمون المستهدف لجعل ذلك في خدمة السواد الأعظم من الناس، أما الأدب الشعبي فهو تراث موروث عن الأجداد ... وقيمة هذا الأدب هي قيمة تاريخية على الأغلب"(30).

الهـوامش
1- عباس الجراري، خطاب المنهج، منشورات السفير، ط1-1990، ص17.
2- عبد العالي بوطيب، "إشكالية المنهج في الخطاب النقدي العربي الحديث"، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد 23- العددان 1-2 سنة 1994، ص 458.
3- عزيز الشرقاوي، "وضعنا النقدي، وضعنا الثقافي"، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 10-11، السنة الثالثة 1978، ص 62.
4- عبد الفتاح ابراهيم، الاجتماع والماركسية، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1980، ص17.
5- المرجع نفسه، ص 17.
6- المرجع نفسه، ص 17.
7- المرجع نفسه، ص 17.
8- المرجع نفسه، ص 18.
9- المرجع نفسه، ص 18.
10- المرجع نفسه، ص 18.
11- صلاح فيصل، منهج الواقعية في الإبداع الأدبي، دار المعارف بمصر، ط5، 1995، ص49.
12- علي جواد الطاهر، مقدمة في النقد الأدبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1979.
13- صلاح فيصل، مناهج النقد المعاصر، دار الآفاق العربية القاهرة، ط1، 1997، ص47-55.
14- المرجع نفسه، ص 57-58.
15- سلامه موسى، الأدب للشعب، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1961، ص27.
16- المرجع نفسه، ص 32.
17- شايف عكاشة، اتجاهات النقد المعاصر في مصر، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1985، ص 28.
18- سلامه موسى، الأدب للشعب، ص 08.
19- ينظر سلامه موسى، البلاغة العصرية واللغة العربية، مطبعة سلامه، القاهرة، ط4، 1964.
20- ينظر سلامه موسى، الأدب للشعب، ص 129-135.
21- أحمد كمال زكي، النقد الأدبي - أصوله واتجاهاته، دار النهضة العربية، بيروت، ص 202.
22- ينظر شايف عكاشة، المرجع السابق، ص 44.
23- ينظر المرجع نفسه، ص 43.
24- محمود أمين العالم، الثقافة والثورة، دار الآداب، بيروت، ط1، 1970، ص54.
25- أحمد محمد عطية، الالتزام والثورة في الأدب العربي الحديث، دار العودة، بيروت، ط1، 1974، ص19.
26- ينظر شايف عكاشة، المرجع السابق، ص 44.
27- ينظر المرجع نفسه، ص 46.
28- ينظر المرجع نفسه، ص 54.
29- ينظر المرجع نفسه، ص 54.
30- ينظر المرجع نفسه، ص 54.
اقرأ المزيد »

مجلة الأثر








اقرأ المزيد »

28 يناير, 2010

الأدب المغربي القديم

إن كان المقصود من الأدب العربي الحديث، هو ذلك النتاج الأدبي الذي شهد ميلاده في عصر النهضة العربية، الذي صادف بدء الثلث الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، وامتد إلى يومنا هذا، فإن لنا وقفة في هذا المقام نحاول من خلالها مستوى التجاوب، الذي عرفه مغرب ومشرق العقد الثالث من القرن العشرين الميلادي، وذلك على الصعيد الأدبي بوجه خاص.
ولا يخفى على المهتمين بالموضوع ما يكتسيه هذا المنعطف التاريخي من أهمية بالغة بالنسبة لذاكرة الثقافة المغربية، كما أن الجميع يدرك ضرورة الإلتفات بالدرس، والتحليل، والتأريخ إلى جذور وبوادر الأدب المغربي الأولى، مع موازاتها بأختها المشرقية، لأن في القيام بهذا العمل وبذل هذا الجهد خدمة علمية قيمة، بإمكان الباحثين والدارسين المبادرين إليها أن يعرفوا ويوضحوا الهوية الحقيقية للثقافة المغربية، مع العلم أن الخوض في هذا الشأن يستحق جهدا متواصلا في ما يستقبل من الزمان، لأن مسألة الأدب المغربي في حد ذاتها لا يحاط بها دون عناء ونصب.
ثم لا يخفى على القارئ أن الأدب العربي في المغرب خاصة وفي شمال أفريقية بوجه عام قد لقي كثيرا من الإهمال والتهميش في العالم العربي، وعلى العكس تماما فتمة كثيرين كتبوا عن الأدب المشرقي منذ طوره الجاهلي وإلى زمنه الحديث في مصر، والشام، والعراق، وإذا كانت أصداء أدب المشرق قد استطاعت أن تصل المغرب وتتردد فيه، فإن أصداء الأدب المغربي لم تتمكن من نيل ذات الحظ في بلوغ المشرق والتردد فيه.
ويرجع عبد الله كنون السبب في ما لقيه الأدب المغربي من إهمال وتهميش إلى الأدباء المغاربة، الذين لم يحفلوا بماضيهم وضيعوا حاضرهم، وفي هذا السياق يقول الأديب المغربي عبد الله كنون:(...وقد كثر عتب الأدباء في المغرب على إخوانهم في المشرق لتجاهلهم إياهم، وإنكار كثير منهم لكثير من مزاياهم، ولكن أعظم اللوم في هذا مردود على أولئك الذين ضيعوا أنفسهم، وأهملوا ماضيهم وحاضرهم، حتى أوقعوا الغير في الجهل بهم والتقول عليهم...)*
في حين يرى زكي مبارك أمرا آخر، وينفي عن الأدباء المغاربة ما لامهم عليه عبد الله كنون، إذ يقول:(...وكما خلا العقد الفريد من أدب الأندلس، خلا زهر الآداب من أدب أهل المغرب، أيكون معنى هذا أن الأندلسيين والمغاربة يستخفون بآثارهم الأدبية؟.. ولكن معناه أنهم كانوا يرون المثل الأعلى عند أهل المشرق، فكانوا يجدون في نقل ما أثر عن أهل المشرق من القصائد، والرسائل، والحكم، والأمثال، وكذلك كان زهر الآداب المرجع الأول، الذي اعتمدت عليه في أكثر الشواهد المشرقية، مع أنه لرجل تونسي من أهل القيروان)**
هكذا نستخلص من رأي عبد الله كنون أن ذاكرة الثقافة المغربية في حاجة إلى إحياء ماضيها الأدبي والفكري، وذلك للحفاظ عليها وتزكية لحاضرها كذلك، أما زكي مبارك فيخبرنا باتخاذ أهل المغرب إخوانهم في المشرق العربي مثلا أعلى، ثم إن المؤرخ الادبي يستطيع أن يلاحظ الجديد، الذي حمله أدب النهضة الحديثة في البلاد العربية الإسلامية، والمتمثل في نزوعه إلى مجاراة جديد النهضة الأدبية في الروح والأسلوب، بحيث ظهرت وساهمت طائفة من الاعلام العربية في الأدب والتاريخ في تطوير فنون الشعر والنثر، كاحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، وزكي مبارك وغيرهم كثير من أدباء المشرق العربي.
ثم لقد بزغ أدباء مغاربة نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: محمد بن العباس القباج، وعبد الله كنون، ومحمد المختار السوسي، وعلال الفاسي، فكانت هناك موضوعات غير قليلة طرقها كل هؤلاء الأدباء العرب، كموضوع الوحدة العربية، والنقد الأدبي والإجتماعي، والتراث والإجتماع، والفكر وغيرها من المواضيع، التي كانت ولا تزال تطرح بحدة.
-------------------
*كتاب النبوغ المغربي في الأدب العربي، الجزء الأول، مكتبة المدرسة ودار الكتب اللبناني للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، الصفحة: 31.
**النثر الفني في القرن الرابع الهجري، الجزء الأول، المكتبة التجارية، الطبعة الثانية، الصفحة: 11.
اقرأ المزيد »

الأدب المغربي.. قضاياه وظواهره

الأدب المغربي.. قضاياه وظواهره
د. بنشريفة: الأدب المغربي أصيل ومتشبع بالروح الإسلامية ومتميز عن الأدب المشرقي
قال الدكتور "محمد بنشريفة"، عضو أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، في حوار حي على موقع الرابطة المحمدية للعلماء الجمعة الماضي (10 أكتوبر 2008) حول موضوع " الأدب المغربي.. قضاياه وظواهره"، إن الأدب المغربي يتميز بأصالته وبتأثره الكبير بالمعاني القرآنية والحديثية التي نجدها في كثير من أشعار الشعراء ورسائل الكتاب، مضيفا أن الروح الإسلامية طبعت هذا الأدب نظرا لما عاشه المغاربة من جهاد طويل سواء في الدفاع عن حوزة الأندلس أو في الدفاع عن شواطئ المغرب.

وحول أسئلة بعض القراء عن أهم ما يميز الأدب المغربي عن نظيره المشرقي، أجاب الرئيس السابق لكلية الآداب بجامعة محمد الأول، أن ذلك يظهر في بعض الاستعمالات اللغوية والصور الشعرية، إضافة إلى تأثره ببيئته المحلية وبتطرقه لمواضيع ربما لم يتناولها المشارقة. ولم ينف الدكتور تأثر الأدب المغربي بالأدب المشرقي، وأنه قلده في بعض الأحيان، إلا أنه حافظ على خصوصياته كما تجلى ذلك في أشياء عديدة نجدها لدى دارسي هذا الأدب مثل "عبد الله كنون" في النبوغ المغربي والأستاذ "محمد بن تاويت التطواني" وفي دراسات أخرى كثيرة.

وأشار "بنشريفة"، وهو عضو الأكاديمية الملكية للتاريخ بمدريد وعضو المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بعمان، إلى أن كليات الأدب في المغرب لا تخرج أدباء شعراء أو كتاب، وإنما تخرج حسب برامجها دارسين للأدب بقدر محدود، ملاحظا أن الإبداع، وهو يطلق في الغالب على الإبداع الشعري والنثري، قليل لدى المغاربة، لكن إبداعهم سواء في القديم أو الحديث تمثل في النقد وفي الدراسات.

وبالرغم من ذلك، يقول الدكتور، إن الرواية والقصة الصغيرة عرفتا في المغرب الأقصى انتشارا وسلطانا في وقتنا الحالي، كما انه في مجال الشعر ظهر شعراء كبار من التقليديين مثل "الحلوي" و"علي الصقل" ، ومن الحداثيين برز مثل "أحمد المجاطي"، و"محمد الكنوني"، و"محمد بنيس".

وتابع ضيف الحوار الحي على موقع الرابطة المحمدية للعلماء قائلا: إن هناك من المغاربة من ترشح لجائزة نوبل للأدب مثل المفكر "محمد عزيز الحبابي"، وإن هناك من المغاربة من فاز بجوائز عالمية في مجالات الأدب والنقد والشعر، بل إن المشارقة يعترفون اليوم بالأسبقية والتميز للنقاد المغاربة".

وفي سؤال لأحد القراء حول الأدب الأمازيغي المغربي، أكد الدكتور أن الأدب المغربي المكتوب بلغة عربية خلال القرون الإسلامية أسهم فيه كثير من الأمازيغ بدءا من طارق بن زياد، وبعض الشعراء ـ من بعده ـ من أمثال "أبي العباس الجراوي"، و"المازوزين"، و"الفشتالي" من القدماء، و"أكنسوس" و"المختار السوسي" و"الحسن البونعماني" من المحداثين. ولا جدال ـ حسب الأستاذ بنشريفة ـ في أن التراث المروي باللغة الأمازيغية هو من الأدب المغربي الصميم، في أشعاره وأهازيجه وأمثاله وحكاياته، ومثله في هذا الأدب المروي بالعربية العامية.

وأثار بعض القراء مسألة ضعف الإنتاج الأدبي الصوفي المغربي في وقتنا الراهن، فأجاب "محمد بنشريفة"، أن السبب في ذلك يرجع إلى نظام التعليم الذي لم يعد منذ زمن يضع في برامجه نماذج للحفظ وللتعلم، إلا أنه مع ذلك يرى الدكتور بأن هناك مؤشرات تبشر بعودة النهل من ينابيع هذا الأدب متجلية في بعض الأعمال الفكرية الحالية. ومن الناحية التاريخية، يضيف الدكتور، أن الطابع الصوفي برز بشكل كبير في الإنتاج الأدبي المغربي مثمثلا في كتاب "التشوف" للتادلي، وفي كتاب "المستفاد" للكتاني، وكتاب "البادسي" في "صلحاء الريف"، وفي نظم "البردة" و"الهمزية"، وفي باب الأدعية والتوسلات، وفي باب ما يعرف بالمولديات..

تاريخ النشر : 12-10-2008
________________________________________
المصدر : www.arrabita.ma
اقرأ المزيد »

 

Featured

http://s4up.net/files/1341.mp3